قيس الزبيدي

دار حوار مُطوّل بيني وبين شخصية سينمائية ذات خبرة واختصاص في صناعة وبرمجة الأفلام والإشراف على أكثر من مهرجان سينمائي عربي ودولي، في موضوعة قلّما تُطرح حول الفيلم التسجيلي/الوثائقي، مفادها بأن هناك جنساً سينمائياً واحداً هو الروائي، وكل ما يقال حول التسجيلي/اللاخيالي والروائي/الخيالي هو في واقع الأمر لا معنى له بأي شكل من الأشكال! لأن كل فيلم سينمائي يعتمد على خيال من يصنعه، وتخضع عملية الإبداع عنده وفقا لتصور ذاتي.

لا شك أن وجهة نظر كهذه راديكالية لأنها تلغي فروقات بين الجنسين الروائي والتسجيلي.
كيف علينا أن نفهم الجنس؟

كريستيان ميتز يعتبر أن كل فيلم هو روائي، بمعنى أنه من صنع خيال الفنان، بحجة أن التلاعب الخلاّق في المادة التسجيلية يجعله روائياً بالضرورة

الجنس صنف أو فئة من الإنتاج الفني له شكل معين وتقنيات وتموضعات محددة، مع أنه في الأدب خصوصاً ليس نظاماً ثابتاً لا يتغير، بل يخضع لحالة انزياح، ولا يمكن رؤية هذه الحالة بصفتها سيرورة دائمة، وإنما بصفتها قفزة، وليست تطورا بل انزياحا.

التلاعب الخلاق
في فصل خاص عن الفيلم التسجيلي في كتاب "دليل روتيلدج للسينما والفلسفة" (تحرير بيزلي ليفنغستون وكارل بلانتينا) يحاول بلانتينا تحديد المسائل الفلسفية ذات العلاقة بطبيعة وقضايا الفيلم التسجيلي، ويتعرض لمن يسيرون وراء كريستيان ميتز في القول إن كل فيلم هو روائي، بمعنى أنه من صنع خيال الفنان، بحجة أن التلاعب الخلاّق في المادة التسجيلية يجعله روائياً بالضرورة.

ولعل هذا ما دعا مخرج السينما المباشرة فريدريك وايزمان لأن يطلق على الأفلام التسجيلية تسمية "روايات الواقع" لأن مادتها تخضع للاختيار والمونتاج في كل الأحوال. وتصبح هنا فضيلة الفيلم التسجيلي -الذي هو ليس مجرد وثيقة رغم أنه يسجل وثائق من نسيج الواقع- تهمة تنفي جنسه تماماً، بينما يصبح جوهر الفيلم الروائي -لكونه يوثّق أحداثا من نسج الخيال مُخْتَلقة ومُمَثَّلة حتى وإن كان مصدرها حقيقيا- فضيلة تكرس جنسه.

يشير منظّر الفيلم التسجيلي بيل نيكولز في بداية كتابه "تقديم الواقع" إلى أن كل الأفلام تسجيلية، لأن كل فيلم ينسخ التشابه للناس الذين ظهروا فيه، بمعنى أنه يسجل حضورهم، بينما يسجل "كل فيلم خيالي ما يؤديه ممثلوه".

تبدو مجادلة وجهة نظر راديكالية كهذه بهدف الوصول إلى وجهة نظر نسبية، مسألة شبه مستحيلة، لأنها تبالغ في ما هو متشابه بين الجنسين وتغفل تماماً الفروقات بينهما. من جانب آخر تبدو مجادلة وجهة النظر الأخرى التي تتوقف عموما عند خصيصة عملية التسجيل الفيلمية رغم إشكاليتها، صحيحة لأنها تحصل في كل الأحوال.

ماذا نسجل؟
يبقى السؤال إذن: ماذا نُسَجِّل؟ وكيف نُسَجِّل؟

منظّر الفيلم التسجيلي بيل نيكولز يشير في بداية كتابه إلى أن كل الأفلام تسجيلية، لأن كل فيلم ينسخ التشابه للناس الذين ظهروا فيه

يُسجّل السينمائي القصص والأحداث التي يسردها، بناء على رغبة إنتاج فيلمية روائية أو وثائقية، كما يسجل فيلمياً -حسب سيغفريد كراكاور- حكايته الدرامية وهي "مُخْتَلَقة" من نسيج الخيال، أو يسجل أحداث حكايته "المُكْتَشَفة" من الواقع. وبالتالي فإن ما يُقرّر هوية التسجيلي أو الروائي/الخيالي ليس فقط طبيعة العلاقة بين ما يجري تصويره -واقعياً كان أم مُتخيّلاً- وإنما العلاقة بين ما هو مُصوَّر ومن يِصوِّره وكيف يصوره ولأي هدف.

وهذا يعني أن الروائي يُنْجَز وفقاً لنص مكتوب مسبقاً، والتسجيلي يُنجز بدوره وفقاً لقراءة أحداث واقعية. ونستطيع أن نقول إن الفرق الأساسي والحاسم بين الجنسين يأتي من كون الفيلم التسجيلي يلجأ إلى تصوير أحداث واقعية غير مُمَثَّلة يحدد طبيعتها وجودها في الواقع بمعزل عن عملية أي تسجيل فيلمية، وهي طبيعة تعطيها مصداقية.. على عكس الروائي الذي يستحضر أغلب الأحداث التي تُمَثَّل والمرتبط وجودها بزمن عملية تسجيلها.
 
إن الفيلم الخيالي هو تحويل لسيناريو مكتوب يُجزّأ إلى لقطات ويقدّم حواره ممثلون يؤدون أدوارهم ضمن ديكورات مَصَّنَعة. وحتى لو كان الموضوع قد تم إعداده عن حوادث حصلت حقيقة أو تمّ تصوير مشاهده خارج نطاق الأستوديو، فإن الموضوع يكون قد حُضِّر ضمن خطة مسبقة الصنع، وتم التدرب عليها لكي يُختلق عالم خيالي بغض النظر إن كان أصل حكايته آتيا من الواقع.

الواقعية والتعبيرية
احتفت بعض النظريات السينمائية بمادة السينما الخام التي تسجل العالم المادي والأشياء والأماكن والناس الحقيقيين، واعتبرتها واقعية في الأساس. أما تلك النظريات السينمائية التي ركّزت أولا على سلطة صانع الفيلم في تحوير الواقع أو التلاعب فيه، فكانت في الأساس نظريات تعبيرية.
صحيح أننا في حالة التسجيلي أمام مادة خام من الواقع مباشرة، لكن يجب ألا ننسى أن كل فيلم هو تجربة سينمائية خاصة، وأن أفضل الأفلام التسجيلية هي أفضل ليس لأنها الأكثر تضمناً للمعلومات والوثائق أو الأكثر إقناعا
"

وهكذا قامت نظرية الفيلم بأكملها تقريبا على التعارض بين الواقعية والتعبيرية. وسيطر هذان المنهجان على تاريخ نظرية السينما وممارستها منذ عهد الأخوين لوميير (لويس لوميير أول فنان تسجيلي يعيد بناء أحداث مباشرة من الحياة، وميليه أول فنان خيالي يعيد بناء قصصه الخيالية في مناظر مسرحية ممثلة).

يُفهم الفيلم التسجيلي من الناحية التقليدية بأنه لا خيالي، بمعنى أنه يَتَميَّز بشكل حاد عن الفيلم الخيالي لأن العالم الذي يصوّره/يسجله واقعي وليس خياليا. ويفترض بصانع الفيلم التسجيلي -كما هو متداول- أن يراقب فقط، ويسجل أحداثاً توجد في الواقع. صحيح أننا في حالة التسجيلي أمام مادة خام من الواقع مباشرة، وأن الفنان لا يكتفي فقط -ولا يمكن أن يكتفي- بنسخها وعرضها على الشاشة فقط، لكن يجب ألا ننسى أن كل فيلم هو تجربة سينمائية خاصة، وأن أفضل الأفلام التسجيلية هي "أفضل" ليس لأنها الأكثر تضمناً للمعلومات والوثائق أو الأكثر إقناعاً.

ورغم أن جون غريرسون عرّف التسجيلي منذ البداية بأن مواضيعه وحكاياته تنتج من المواد الخام الدقيقة، ووجدها أفضل من النصوص المُمَثَّلة، فإنه وجد في الوقت نفسه أن التسجيلي هو معالجة خلاقة للواقع الراهن، خلاقة لأنها تتطلب منا أن نعرض على الشاشة مسائل عصرنا الملحة ليس فقط لكي يعرف الناس ما يجري حولهم ويحدد حياتهم، وإنما ليصبحوا أيضاً مؤثرين في ما يجري. وسبق أن عرّف فلاهرتي نفسه ذات مرة قائلاً "في البداية كنت مستكشفاً، بعدها أصبحت فناناً".

المصدر : الجزيرة