راشد عيسى

يستوحي المخرج السوري فراس فياض (١٩٨٤) عنوان فيلمه التسجيلي "خلف اللون الأبيض" (٢٠١٤)  من لحظة الاصطدام الرهيبة التي يواجهها الكائن تحت أنقاض البيت المهدم، ويتابع في فيلمه أحوال مدينة في الشمال السوري لم تعد تحت سيطرة النظام، فينطلق من تلك الرؤية النفقية، حيث يجمع الدارسون على أن لحظة وقوع الكارثة أشبه ما تكون بنفق معتم، بينما ينصبّ نظر المرء كله باتجاه ضوء ما في آخر النفق.

"اللون الأبيض هو لون الضوء، أول لون تصطدم به عينَا الشخص الواقع تحت الأنقاض. خلف اللون الأبيض مصيره. كان ذلك دافعا لأن يكون هذا الضوء هو اللغة ما بين الشخصية الرئيسية وبين من يبحث عنهم. هو رسالة المورس، أداة التواصل الحقيقية بين عالمين، عالم الشخصيات التي تقوم بالإنقاذ، وعالم الشخصيات المفقودة". هكذا يفسر المخرج اختياره عنوان الفيلم، قائلا "لذلك كانت الكاميرا في اللقطة الأولى ذاتية، من وجهة نظر المشاهد، كأن الأخير هو نفسه تحت الدمار، كأنه هو ذاته يحتاج للانتشال".

دفاع مدني قدر الإمكان بحثا عن أحياء تحت الأنقاض السورية (الجزيرة)

يتابع الفيلم شخصية شاب سوري مناهض للنظام، يقدم روايته حول ما دفعه إلى الوقوف في وجه النظام، وكيف أن الثورة في بلده جعلته إنسانا. كل حلم الشاب الذي يعمل في "الدفاع المدني" أن يصبح مستقبلا عاملا في فريق إغاثة تابع للأمم المتحدة. يبدو الشاب فاعلا في محيطه، قياديا وصاحب كلمة مسموعة، يوجه رفاقه بلطف على الهاتف بأن يحافظوا على كنيسة البلدة، فهي كما يقول، ثروة للبلد.

 في هذه النقطة بالذات يشعر المرء بأن الفيلم في حال دفاع عن النفس، فقصد تصوير كنيسة البلدة مرارا محافظا عليها ضمن النسيج المعماري للمكان، في وقت أظهر الفيلم مساجد مدمرة. لكن المخرج يبرر الظهور المتكرر للكنيسة باعتبارها مقرا لعناصر الدفاع المدني، وهم معنيون بحماية الكنيسة، مؤكدا أن أبناء المنطقة يحمونها، كما أن المنطقة فيها سكان مسيحيون متعايشون مع فكرة "الجيش الحر".

على أي حال ليست الكنيسة وحدها، فالفيلم يجد نفسه معنيا بالعودة دائما إلى صور المكان، في بلد تتغير صورته كل يوم على نحو مروّع. هكذا راح يصور شوارعَ وتلالا ومساحات خضراء، تتداخل مع بنيان عشوائي فقير لا يتناغم مع جمال الطبيعة.

غير أن بطل الفيلم هو مشكلته، فهو هنا رغم تأثيره في محيطه، بدا باردا سئمًا إلى حد بعيد، وبدون حكاية خاصة تعطيه الحق في بطولة فيلم تسجيلي. المخرج لدى سؤاله كيف اختار بطله قال: "شعرت أنه من يعبر عن السوريين الآن. داخل سوريا أصبح الألم اعتياديا. البرود والموت كذلك. كل ما يحيط بك لا يوحي بالحياة. هذه الشخصية جزء من مشاهداتي في نهاية ٢٠١٣ و ٢٠١٤.  رائد الصالح، وهذا هو اسم البطل، لم يكن يمثل، ولا يبحث عن الدموع ليعبر عن الألم. هذا البرود القاسي بحد ذاته مؤلم إلى درجة لا تحتمل".

فراس فياض:
حين تكون تحت الأنقاض تصبح المأساة أكبر، وتحس بأن الخراب خراب داخلي لك، ليس خراب المنزل. خراب لكل شيء مرتب في داخلك"
تغيير الخيار
ويتابع المخرج راويا كيف تبدلت خياراته في انتقاء بطل فيلمه "في الحقيقة كان من المفترض أن تكون الشخصية أنثوية، وكنت قلقا من أن الشخصية الأنثوية ستكون جزءا من عائلة. كان رائد سيرافقني للمساعدة باعتباره قائد فريق الدفاع المدني في تلك المنطقة. تحدثنا كثيرا في خيمته على الحدود السورية التركية، حكينا كثيرا عن كل شيء، كيف انضم للثورة ولماذا. شدتني طريقة استقباله لخبر استشهاد. يأتيه الخبر فيترحم ويقول: هل جهزتم مكان الدفن، إذا لم تتمكنوا دعوني أتصل بفلان".

أحيانا أراد الفيلم بطله كصوت طرفا في ثنائية. اختصره بصوت نسمعه ولا نراه، إذ راح يعيد "حدا سامع صوتي؟" نداء تردد في أنحاء الفيلم كما لو أنه صوت في البرية. أما الطرف الآخر فهو صوت تنفس ولهاث يوحي بأنه آت من تحت الأنقاض. الفيلم كله هنا، في هذه اللوازم الصوتية، في تلك النداءات المحمومة لصوت ينده ولهاث يستغيث.

يعود المخرج ليفسر هنا بالذات لماذا استخدم اللقطة الذاتية (Subjective) "أردتها هكذا لإعطاء الشعور بأن يكون المتفرج محل الشخصية، أن يجرب ذلك التنفس، حين يصبح صوتك هو الوسيلة التي تريد أن توصل من خلالها رسالتك، التي تريد من خلالها أن تنادي من ينقذك. حين يصبح صوت أنفاسك هو ما يبقيك على قيد الحياة،، هو نفسه لغة التواصل. هذه في حد ذاتها كانت جزئية خاصة بالفيلم، الأنفاس وقطع التنفس وعلاقته مع الأصوات".

اللون الأبيض اللغة الأولى للتواصل بين الأحياء فوق الأنقاض وتحتها (الجزيرة)

حين أراد المخرج أن يعبر عن التقاء الصوتين، المنادي الحي، والمنادى تحت الأنقاض، استعان بمشاهد من يوتيوب تصور عمليات إنقاذ أطفال من تحت الردم. وهنا يفسر سبب لجوئه إلى يوتيوب "كان نقص يتعلق بالضحايا الذين تم إنقاذهم، ولأنني لم أستطع توثيقها خلال فترة تواجدي، فقد اضطررت لاستخدام اللقطات الأكثر تأثيرا، والمعروفة بالنسبة للناس".

أما عن صوت المخرج الراوي في الفيلم، على قلة ظهوره فيقول "لأنني كنت شاهدا على أحداث، كنت جزءا من الفيلم. في الدقائق العشر الأولى أقدم لوجودي من خلال خيال لوجهي، ومن خلال تحية للآخر. كان لا بد أن أنقل شعوري الذي عشته، الخراب داخل المباني مأساوي أكثر من الخارج. ثم حين تكون تحت الأنقاض تصبح المأساة أكبر، وتحس أن الخراب خراب داخلي لك، ليس خراب المنزل. خراب لكل شيء مرتب في داخلك".

يذكر أن للمخرج أفلاما هي "بضع دقائق" ( ٢٠٠٩) تسجيلي ٥٢ دقيقة "دمشق وآخر التجليات" (2010)  تسجيلي ٥٥ دقيقة. "على الضفة الأخرى" (٢٠١١ )، ويقول المخرج إن هذا الفيلم كان سبب اعتقاله. هذا بالإضافة إلى أفلام تلفزيونية لقناة الجزيرة.

المصدر : الجزيرة