حميد بن عمرة

انتهى العام بانتخاب رئيس تونسي جديد، وانتهى بتتويجه الشوط الأول للربيع التونسي. لكن قبل سيدي بوزيد ومظاهرات المدن التونسية، قامت ثورة سرية أبطالها لا يعرفون في زمنهم فيسبوك ولا يوتيوب، ولم يكن لوجوههم ملصقات تنشر على جدران المدينة.

ثورة سلمية أسس أبطالها مجموعة "آفاق" وكان الهدف إصلاحيا، تقدميا، مناهضا لسياسة الحبيب بورقيبة، آنذاك.

على هذه الخلفية السياسية لبداية الستينيات، يفصح فيلم المخرج هشام بن عمار "الذاكرة السوداء" عن لون مضمونه الحالك، بصراحة وبلغة سينمائية محترمة لوقائع معتقلين أسدل الستار على حياتهم لسنوات وراء جدران لا لون لها في بداية السبعينيات.

هاشمي طرودي: ثرنا لأننا نحب الحياة.. والجلاد غريب عن البشر (الجزيرة)

اللقطة الأولى لصورة قيد حديدي اختارها المخرج ملصقا للفيلم، تدخل بنا في قلب مصعد آلي تنزل منه أرملة المناضل أحمد بن عثمان.

يبدأ حينها العد التنازلي لقصة الأرملة سيمون لولوش ورفقاء فقيدها الثلاثة. إنه عد تنازلي نحو الجنون، كما يقول فتحي بلحاج يحيى الذي يقص لنا بدقة علاقته بالجلاد واصفا تفنن المعذِب وساديته.

الفيلم مركب كمتحف للعذاب، الصور فيه لوحات أُطِرت بآلام الشخصيات. ويتساءل بها المخرج عن مفهوم الإنسانية والحب والخوف.

أما فتحي فلا يتساءل ولا يخاف ولا يكتفي بتذكر القهر والذل اليوميين، بل يدخل بنا إلى جحيم الزنزانة ليقّلد في سرده حتى نبرات وأصوات الجلادين.

حينها تتحول رسائل الحب في المعتقل إلى لحظات تنفس عن المشاهد، وتعطي للفيلم قالبا شاعريا عميقا.

تقرأ سيمون -بحياء- سطورا من جواب حبيبها، وتفتح بذلك قلبها لنا، فنحب حبها وننطق بصوت الراحل لغة واحدة.

فهل الفيلم التسجيلي في هذا الظرف نوع من الرثاء أم مفتاح لزنازين العذاب في الدول البوليسية؟
يعرض المخرج بطاقات بريدية قديمة لشوارع العاصمة التونسية الخالية من زحمة السياح واكتظاظ التمدن الجديد، لينتهي المشهد بلقطة مبنى وزارة الداخلية المحصن بأسلاك شائكة.

"بورقيبة تغلّب على فرنسا وأنتم تريدون هزمه!" يردد الهاشمي طرودي ساخرا من معذبه. لكنه في تعزية رفيقه أحمد بن عثمان يرتدي صوته نغمة ثقيلة ويعتري جسمه ارتباك عندما يقول "ليس المقام للتفاصيل، فالجزاء لم يكن بحجم التضحيات".

بورقيبة يتهمه آخر متدخل بالفيلم عز الدين حزقي بتدبير سجنهم "يكفي آنذاك أن يجهر الرئيس بأن هناك جماعة تخرب البلاد كي يتحول الخطاب إلى أمر غير مباشر لرجال الأمن لاعتقال المواطنين وإلقائهم في ظلمة النسيان".

يفصّل الفيلم ويمعن في الموضوع، وتأخذ صوره هيئة الألم المنقوش على وجوه أبطال لا يعرف عنهم المتنزه بشارع بورقيبة الحالي شيئا لو لم تُسلِّط كاميرا هشام بن عمار الضوء على حياتهم. فاللقطات السريعة للأجساد المطروحة أمام رداء ضوء معتم توحي بتمدد الأيام ونفاد الصبر بتقاطر الزمن البطيء.

إنه تقطير للذاكرة، تنفصل فيه الساعات عن دقائقها وتتناثر مشاهد العذاب عبر الفيلم، فنلمس حينها مدى طول الأسر ومدى غياب المواطن عن جسده وعن شارع طفولته وبعد الإنسان عن الجلاد.

عز الدين حزقي كان يصله صوت أم كلثوم من مذياع السجان حسب تداعب الريح (الجزيرة)
دخول السينما زنزانة التاريخ ووقوفها بنا على عتبة الألم والقهر يدفع بنا للتساؤل التالي: كيف يستحضر المخرج من ذهنية المعذَّب أحداثا تُذكِّر هذا الأخير باستجواب الجلاد؟

وهل تشابه الظرف التصويري بأيام السجن يزيد السجين ألما، أم يصبح التصوير علاجا نفسانيا يخرج به المتحدث من كابوس الماضي؟

ينتشر صوت الآلة الطابعة في ظلمة المعتقل، وتسكن مع الحروف نوتات البيانو المبعثرة في فضاء الزنزانة. يعتمد المخرج على هذه الباقات من الحلم الداكن ليجعل من الحوار مدخلا لنا إلى معتقل القلوب: قلوب سيمون وفتحي وأحمد وعز الدين.

إن السجان لن يكون أبا ولا أخا ولا زوجا ولا ابنا. وإن حاول تقمص دور من هذه الأدوار، فليس إلا استعطافا يراوغ به ذهنية السجين، لإهانته وتحطيم آخر نفس مقاوم بجوفه.
محاولة اغتيال الحرية والأحرار اغتيال للجلاد نفسه، لأن التعذيب الممنهج إرهاب يومي لا ينجو منه المعذِب، لأنه يخاف من عدم الوصول إلى قهر فريسته. أما المُعذَّب فلا ينجو من الجلد إلا بخوفه من الخيانة. الثورة ليست دوما حمل للسلاح وإنما صبر ومقاومة الألم.

إن آخر حصن ضد القهر يبقى دوما هذا الجسد. التعذيب ليس مهنة رغم يدوية العمل اليومي فيه، كما أنه ليس طبيعة فطرية بشرية.

فكيف يتحول المواطن العادي إلى قاهر للنفوس متقاضيا أجرا شهريا على ذلك؟ فيلم "الذاكرة السوداء" ليس تدوينا لوقائع أراد السجان محو أثرها فقط، إنما هو وقوف على مقبرة القمع وتذكير ببشاعة سياسة المطرقة.

فالسجان لا يكتفي بتحطيم البنية النفسية للمواطن التقدمي المصلح، بل يحطم حتى ديكور مسلسله البشع كي لا يبقى للذاكرة جدار تقف عليه الأجيال لتعزي أبطالها.

الإرادة أقوى من الجلْد، وأم كلثوم أقوى من الصمت عندما يتسلل غناؤها إلى أذن عز الدين من مذياع بعيد لحارس السجن. كانت الأنغام تأتي وتفر حسب تداعب الرياح. وكان عز الدين عندما لا يتوافر الطرب المختلس يلجأ لحلم يقظ هو بمثابة حصة سينمائية يومية.

إن الخيال أقوى من السياط والسينما أقوى من القمع.

كان السجناء عصبة في الزنزانة المكتظة. يجمع بينهم رأي واحد ومزيج من الحب والإخاء، يتقاسمون حتى نفس السيجارة وقفّة الزائر.

ملصق "الذاكرة السوداء" للمخرج التونسي هشام بن عمار (الجزيرة)

"ثرنا لأننا نحب الحياة، والثوري فاعل وليس مفعولا به، لأن الجلاد غريب عن البشر" يقول الهاشمي طرودي.

وها هو يثور بدوره هشام بن عمار في بداية عام ٢٠١٤، لأنه يحب السينما، ولأن السينمائي مصور وليس مصوراً به، ولأن الجلاد لن يحب هذا الفيلم.

فهل كان الطفل هشام يدرك في براعم ربيعه التاسع عام ١٩٧٦ أن العرب قد انهزموا، وأن المواطن التونسي مهزوم القامة يَعُدُّ بخطوات مرتجفة عدد أقدام قُطرِ زنزانته؟

"الذاكرة السوداء" فيلم تسجيلي المفعول فيه مطلق، رتبت لقطاته في أسلوب سهل ممتنع. تعمًّد فيه مخرجه عزل أبطاله بين أحضان ضوء منير على خلفية سوداء تذكر -باستمرار- بأن السجين لا يشاهد شيئا، وأن وجوده مرهون بكلمات الحب المسرب عبر البريد السري، وأن قوّته تكمن في ترادف مفردات الحرية الحمراء وأبوابها التي بكل يد مضرجة تدق.
 
يؤكد المخرج هشام بن عمار ضرورة فتح الحوار بين كل أطراف المجتمع التونسي، لأن السينما تخاطب القلب مهما كانت لغته. غير أنه يشعر بذنب المواطن الذي كان بإمكانه التنديد بالظلم وتغييره ولو بلسانه.

فالفيلم محاولة جريئة يستدرك بها غياب نضال لم يقم به سابقا، وبذلك يسمح للمشاهد أن يتبنى هذا الموقف الصريح في بلد ما زال -حسب قول هشام- يخاف من ماضيه، ويعتبر التعذيب موضوعا تحصنت الذاكرة الجماعية ضده.

إن اللقطات الكبيرة في "الذاكرة السوداء" بحجم الألم المرصوص على وجوه المتحدثين وبحجم قصصهم وبحجم كبر التابو. اللقطات الكبيرة تُكبِر في نفوسنا ألما صامتا يمتد حتى بعد نهاية الفيلم.

المصدر : الجزيرة