مهند صلاحات

 
يقدم الفيلم التسجيلي "أرواح متمردة" مقاربة شعرية لحياة الشاعر والأديب جبران خليل جبران، تأخذنا فيها كاميرا المخرج السوري الفوز طنجور إلى أماكن كثيرة، بما فيها مدن ومنازل وأماكن متعلقة بالشاعر وشعره، وبشخصيات مختلفة يجمع بينها التأثر الواضح بالشاعر، ليعرض من خلالهم ذكريات جيل من الفنانين والمثقفين وعشاق الشعر، ويرسم من خلالهم لوحات بصرية تعج بالتفاصيل، ويروي معهم باقة من أشعاره.
 
مخرج الفيلم: الفوز طنجور جعل سيرة جبران مرآة لمبدعين جدد (الجزيرة)
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
يمثل الفيلم -الذي ينتمي إلى أفلام السيرة الذاتية المروية- رحلة بصرية في حياة وشعر جبران بغرض الاقتراب من عوالمه، ومحاولة جديدة لتوثيق سيرته بالصورة والشهادة الإبداعية عبر تقاطع مجموعة من السير الذاتية لمبدعين جدد تمردوا على واقعهم من خلال إبداعاتهم، وكان جبران بالنسبة إليهم الملهم.
أبرز الفيلم التعاطف الذي يبديه الفوز طنجور لأشعار جبران، وأظهر إحساسه تجاه شخص جبران باعتباره موضوعا أساسيا للفيلم، مما جعله يبحث عمن يتقاطعون معه في ذلك التأثر.

سيرتنا
منذ البداية ترافقنا أشعار جبران بأصوات فنانين وسينمائيين ومسرحيين يقرأ بعضهم مقاطع من شعره، وعليه فإن ثيمة الفيلم خرجت إلى حد ما عن السرد المباشر لسيرة الشاعر لتتعداها إلى سير ذاتية للمتأثرين به وبمشروعه المتأثر بشكل واضح بتعاليم الإنجيل ونصوصه، ليمر على محطات كثيرة توقف فيها الشاعر خلال حياته.

امتدت الرحلة 54 دقيقة وجالت في الكثير من الأماكن التي عاش فيها الشاعر أو كتب أشعاره فيها.

جبران كان حداثيا متقدما على زمنه، وأضحى اليوم واحدا من كلاسيكيات الشعر العربي واللبناني على وجه الخصوص، لذلك حاول الفيلم أن يكون موازيا لحداثة أشعاره وتأثر الفنانين به وتقديمهم له برؤية حداثية عصرية، سواء موسيقيا أو مسرحيا أو سينمائيا كمحاولة للخروج من فخ الطرح الكلاسيكي لسير الشعراء والأدباء الكلاسيكيين.

وكما في كل عمل فني أو أدبي، فإن الفيلم التسجيلي محاولة إنسانية للتعبير عن الواقع الذي يحرك فينا المشاعر بمختلف تقلباتها وتنوعاتها، من الحب والألم والفرح والرفض والحنين والسخط وغيرها، لكن محاولة التعبير هذه ما هي إلا صورة لما تحتوي عليه روحنا من مخزون المشاعر المتراكمة التي تشكل شخصيتنا، مضافة إليها ثقافتنا ومعرفتنا بأنفسنا وبما يدور حولنا من حراك إنساني جميل وبشع في الوقت نفسه.

استقصاء وتجريب
التزم الفيلم بقوالب محددة من الأفلام التي تروي سيرة الغائب من خلال من عرفوه وعبر نصوصه لا شخصه، ورغم الالتزام الشكلي الذي فرضته النظرة الأكاديمية التي تتعامل مع الفيلم التسجيلي من جانب، والإطار العام للفضائية المنتجة والبرنامج الذي يعرض من خلالها من جانب آخر فإن المخرج أوجد توازنا بين الإطار العام وحداثة الطرح، جامعا في الوقت ذاته بين الوصف والاستقصاء والتجريب، إضافة إلى الرؤية الخاصة للمخرج الذي غالبا ما يظهر أنه يبحث عن نفسه داخل أفلامه وفي سيرة شاعره وسير شخوصه.

كما نرى أن هناك إيقاعا ثابتا من أول الفيلم إلى آخره، هذا الإيقاع الهادئ صنعه مخرجه من خلال الموسيقى المصاحبة التي تمنح الفيلم البعد العاطفي وتحول النص إلى مروية درامية، وهي ربما ما تحتاج إليه أفلام السير الذاتية التي تعتمد على الرواة، إلا أن التداخلات ورفع الإيقاع وخفضه حققه المخرج عبر شخوصه المتعددي المواهب، فقدموا موسيقى وأداء خلق التوازن ورفع وتيرة الإيقاع الهادئ.

جبران.. المجنون والثائر والمتمرد والحكيم والكاتب والرسام (الجزيرة)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نجح الفيلم في بنيته بالتوفيق بين الصورة والشعر، فالمخرج استوحى من أحد عناوين كتب الشاعر عنوانا له، ليختار شخوصا رأى المخرج أنهم يملكون -فنيا وإبداعيا- أرواحا متمردة، يجمع بينهم تأثرهم بالشاعر وأدبه، لذلك فقد جاء العنوان استعارة رمزية من الغائب للحاضر وشخوصه.

جبران خليل جبران.. المجنون، والثائر، والمتمرد، والحكيم، والكاتب، والرسام ظهر بالنسبة لنا معلما روحيا ملهما لجيل من الفنانين والمثقفين، أضاف إلى حياتهم ومنتجهم الإبداعي بعدا يبسط الحياة ويذهب بها إلى مثالية تدعو للمحبة والسلام.. نظرة متفائلة قد لا تبدو واقعية، ولكنها حلم الإنسان الأزلي بالمدينة الفاضلة.

المصدر : الجزيرة