الحبيب ناصري

عائلة الوديع الآسفي بالمغرب مدخل مهم لتعريف وتفكيك قضية الاعتقال السياسي في زمن اصطلح عليه بسنوات الجمر والرصاص. هي عائلة مناضلة بامتياز، من الأب مرورا بباقي أفراد العائلة. عائلة كلما اقتربنا منها وعبر زوايا فنية وإعلامية وثقافية.. إلخ، استطعنا الإصغاء لجزء مهم من تاريخ المغرب السياسي الذي هو اليوم يبنى وفق رؤى مخالفة عما كان سائدا.

فيلم "مناضلة المغرب آسية الوديع" فيلم تسجيلي لمخرجته/مبدعته السورية هالة مراد، وهو من إنتاج قناة الجزيرة التسجيلية 2014، وتصوير جميل وممتع للمخرج ومدير التصوير عبد العزيز العطار من المغرب. فيلم يفكك جزءا مهما من حياة آسية الوديع  (1949- 2012) التي عايشت مرحلة خصبة من مجموعة من التحولات الكمية والنوعية داخل المغرب لا سيما من زاوية المؤسسة السجنية بالمغرب.

آسية الوديع، أو كما يسميها الناس في المغرب "ماما آسية"، امرأة مغربية عربية عالمية نموذجية بكل المقاييس، جعلت من المؤسسة السجنية مجال اشتغالها ومجال الدفاع عن حقوق مسجونيها لا سيما الصغار والشباب

الفيلم شهادة تسجيلية عن هذه المرأة المناضلة والمنتمية لأسرة استطاعت أن ترسخ مفهوما حقيقيا للنضال، إذ استطاعت أن تتحول من مرحلة النضال والاعتقال بالسجون المغربية، لتمارس اليوم رؤية أخرى في الحياة وللحياة، المشاركة من داخل المؤسسات المغربية لممارسة شكل آخر من النضال، النضال من الداخل، والقضية واحدة: ترسيخ دولة المؤسسات والحقوق.

ماما آسية
آسية الوديع، أو كما يسميها الناس في المغرب "ماما آسية"، امرأة مغربية عربية عالمية نموذجية بكل المقاييس، جعلت من المؤسسة السجنية مجال اشتغالها ومجال الدفاع عن حقوق مسجونيها لا سيما الصغار والشباب.

استطاعت آسية أن تربح القضية وأن تشتغل بجانب القصر الملكي في شخص ملك البلاد محمد السادس، حيث تعاطف وتفاعل ومأسس هذه المؤسسة التي ساهمت في تحويل السجن المغربي من بعده السلبي إلى بعد حقوقي وتعليمي وثقافي وفني، أي توظيف العديد من الأسماء والتجارب الفنية والرياضية والاجتماعية.. إلخ، وإدماجها في المؤسسة السجنية المغربية.

 كيف يتحول السجن الذي عانقته الأسرة وعانت مرارته، إلى موضوع للاشتغال عليه والاهتمام به والدفاع عن ضرورة مأسسة هذه المؤسسة وترسيخ حقوقها؟

شهادات وصور وأشرطة فيديو ووثائق وقصص وقصائد شعرية مريرة، تكشف معاناة هذه الأسرة ككل، تصل ذروتها حينما تكتب ثريا السقاط والدة آسية نصا إبداعيا عن لحظة اعتقال أحد أبنائها.
 
مقاربة
هل من الممكن تفكيك اسم آسية الوديع في ضوء مقاربة معجمية تفكيكية دلالية تتساير ونضالية هذه المرأة من داخل وخارج السجن؟

هل هذا الاسم من الممكن تفكيكه في ضوء دائرة الأسى؟ وهل من الممكن تفكيك الاسم الثاني وهو اسم في ملكية الأسرة ككل، الوديع، والذي يحيلنا على الوداعة.. إلخ؟
شهادات وصور وأشرطة فيديو ووثائق وقصص وقصائد شعرية مريرة، تكشف معاناة هذه الأسرة ككل، تصل ذروتها حينما تكتب ثريا السقاط والدة آسية نصا إبداعيا عن لحظة اعتقال أحد أبنائها

ما الرابط بين الأسى والوداعة؟  بل ما الرابط بين آسية -الأسى- الأنوثة والوديع- الأليف المحيل على ما هو ذكوري؟ أو ليس في هذه البنية الاسمية التركيبية بنية انزياح دالة وقوية تتجلى في نهوضها وخلخلتها لطبيعة تمثلات المتلقي؟

هكذا هي الأسماء التي تخلخل الواقع وفق البحث عن ما هو أجمل ومفيد للإنسان. تحمل في طياتها "غرابة" ممتعة ومفيدة للآخرين. هل من اللازم أن يعيش الآخر محنة وألم الاعتقال لـ"ننعم" نحن بمتعة قراءة ومشاهدة هذه الآلام؟

هكذا هي الحياة في فيلم "مناضلة المغرب آسية الوديع" التسجيلي، والموقع من طرف امرأة هالة مراد، اللبنانية والمتوفرة على مخزون من الألم الآتي من بلدها لبنان، القصيدة الجريحة إلى الآن.

شعرية البكاء
هي شعرية من الممكن القبض عليها في بعض منعرجات هذا الفيلم، الذي كان قويا ومخلخلا ومعيدا وممسكا لجزء من ألم ذاكرتنا نحن المغاربة، الفيلم صيحة من أجل أن نعيد ونفكك هذا الماضي السياسي المغربي الجريح ومن زاوية التفكير في المستقبل، التفكير من أجل غد نتجاوز فيه هذه الجراح، في اتجاه لحظة أمل مشرقة، بعيدة عن أسى السياسة، والارتماء في أحضان وداعة السياسة.

لعلها الرسالة البليغة التي من الممكن أن نرهن بها هذا النوع من الأفلام التسجيلية التي تريد تحليل ما وقع بعد أن أصبحت هناك مسافة زمنية بين زمن الماضي وزمن الحاضر، مسافة من الممكن أن تساهم في تفكير جماعي نحو لحظة أمل وفرح.

سنوات الجمر والرصاص في المغرب أدخلت آسية الوديع وعائلتها السجون (الجزيرة)

الرسالة الأقوى هي استمرارية الأسرة في الاشتغال على المعيش اليومي وتفاصيل الحياة المغربية، بغية تجاوز التعثرات التي أدخلت مغربنا سابقا في بقعة ضوء سوداء. هي اليوم الكل ملتصق بإزالتها وفق خصوصية مغربية تهدف لتحقيق العيش تحت سقف واحد ومتنوع ومختلف لكنه يفسح المجال للكل.

آسية الوديع هي سليلة أسرة مغربية تشبعت بالإبداع والنضال، والرغبة في المساهمة في بناء وطنها المغرب، ومن داخل مؤسساته، فماذا تبقى من عطاءاتها؟

هذه الشهادات الحية ذات العمق الإنساني، والواردة من مرجعيات مغربية مختلفة، عكستها حتى تلك الفئات الشعبية والرسمية ومن كافة المهن والمسؤوليات، والتي حضرت وتابعت مراسيم جنازتها. هي نموذج المرأة المغربية التي عانقت حلما كانت تعيشه كل لحظة، وهي تساهم وتنخرط ومن مواقع متعددة في كتابة نموذج مغربي في التغيير الهادئ.

تغيير ما زالت الأسرة تراهن عليه بقوة من أجل الانتقال من شعرية الألم نحو شعرية الأمل لوطن عزيز وله إرث تاريخي وعمراني وحضاري وجمالي منفتح على الجميع، وطن تعلق به الكل.

المصدر : الجزيرة