حوار-عزة سلطان


قررت  المخرجة الأردنية من أصل فلسطيني ميس دروزة أن تنخرط في صناعة الأفلام تاركة تخصصها في الهندسة المعمارية.

بدأت مشوارها المهني مخرجة أفلام مستقلة بإخراجها أفلاما تجريبية قصيرة كان منها "لم تكن حكاية زيتون" (٢٠٠١)، "الدمية البشرية" (٢٠٠٥)، "بعدني أنتظر" (٢٠٠٧) و"رحلة عائشة" (٢٠٠٩) بعد أن حصلت على منحة "تشيفنينغ" الدراسية من المجلس الثقافي البريطاني، لتكمل شهادة الماجستير في إخراج الأفلام الوثائقية من كلية أدنبرة البريطانية للفنون (٢٠٠٧).
ملصق فيلم "حبيبي بيستناني عند البحر" (الجزيرة)

عُرض فيلم تخرجها "خذني إلى أرضي" (٢٠٠٨) في أكثر من عشرين مهرجانا سينمائيا عالميا. أخرجت فيلم "العشاء" (٢٠١٢)، ضمن مجموعة أفلام عربية عن الهوية بعنوان "موسم حصاد"، الذي كان إنتاجا مشتركا مع قناة "آر تي"  الفرنسية، ونال جائزة الجمهور في مهرجان "سيني ميد" ٢٠١٢.

أول أفلامها التسجيلية الطويلة "حبيبي بيستناني عند البحر" والذي حصلت به على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان الإسماعيلية الدولي 2014.

* الرسم والشعر كانا عنصرين أساسيين في فيلمك، فكيف تتعاملين مع الفنون الأخرى أثناء صناعة الفيلم؟

- حين كنت أخطط لفيلم "حبيبي بيستناني عند البحر" فكرت أن أقدم عمل الفنان حسن حوراني الذي بعنوان "شعر ورسم"، وتوصلت إلى فكرة محاكاة ألف ليلة وليلة بأن أصير بنتا صغيرة داخل رسومات حسن، وأن أحكي عن هذا العالم من داخل الرسم.

طيلة الوقت كنت غائبة عن فلسطين، ولا أملك منها سوى صور وحكايات، وهي كلها أشياء غير ملموسة، فأنا دوما في حالة حرمان من الوطن. حين بدأ العمل في الفيلم كنا نحاول تجميع هذه الصور، وأسميناه في الكواليس "عالم ميس"، فكانت الحكايات والصور أشبه بكولاج لعالم متخيل.

حاولت أن أقدم للمشاهد حقيقة أننا نعيش ما نشتهي، ويمكننا صناعته من الأشياء الصغيرة التي نجمعها من أماكن مختلفة، فكانت الفكرة أن أقدم حائطا أبيض وأخترع أمامه الوطن والحبيب، فحين أجلس وأرسم شخصا بجانبي يصير المشاهد مقتنعا بأن هناك قصة تضم امرأة اسمها ميس ورجلا اسمه حسن. وأنا مقتنعة بأن المشاهد أيضا سيتمكن بقوة من اختراع العالم الذي يريده.

* كيف ترين فكرة الغياب والحضور داخل فيلمك وقد قدمت حالتين متوازيتين لك ولحسن؟

- من بداية الفيلم كان واضحا لنا أنه فيلم شخصي، وحين بدأت العمل لم أجد ضرورة لظهوري الواضح والكامل. كان صوتي يمثل حضوري. أنا أقدم خيالا لأصنع منه واقعا في آخر الفيلم.

رسمت الفيلم كحكايات الحكواتي لأفتح مساحات الخيال لدى المتلقي. هذا الخيال الذي يحتاج الغياب، فالغياب يشحذ الخيال والحضور المستتر، وصوتي بديل لوجهي وظهوري امرأةً.

وكنت أفكر أن أي شخص من الجمهور يمكنه أن يكون أنا، وكان حسن يمثل تجسيدا للوطن، يمثل الحلم، وكنت أحلم أن يجد كل مشاهد الحَسَن الخاص به.

رغبت في الوصول إلى البحر، حتى آخذ بعض الهواء وأحس لخمس دقائق بهذا الهواء، مع بحر بلا نهاية، ولم أرغب في الظهور، حتى يتصور كل مشاهد أنه من يتحدث، ولذا آثرت أن يغيب وجهي عن المشاهد، فأترك مساحة للمشاهد أن يكون هو نفسه الراوي.

* ما دلالة عبارة محمد في الفيلم عن أن الأماكن كلها للفلسطيني؟

-  في أول الفيلم يحكي محمد عن فكرة حين يُسرق وطنك فكل الأماكن هي لك، حالة اللجوء الخاصة بالفلسطيني فرضت عليه أن يتساءل عن ماهية المكان وماهية الوطن والانتماء، وهي جميعها كلمات كبيرة، لكن أيضا حالة الفقد تخلق دوما حالة اشتياق لدى كل شخص تجاه وطنه.

لكنني لا أتصور أن الفلسطيني فقط هو الذي سُرق أو ضيّع وطنه، هناك آخرون أيضا يفتقدون وطنهم.

الحرية هي ألا يشعر الإنسان بأنه وحيد (الجزيرة)

* البحر والحبيب والوطن والغياب ما الذي جمع بينها في الفيلم؟

- هذه الكلمات تحمل دلالة الحياة، فحسن الحبيب ليس فقط هو كذلك، فمنذ أن عرفته، ولدي حنين للوطن ولست وحدي بل ملايين الفلسطينيين عندهم خيال عن الوطن الذي يشتهونه ومحرومون منه، أنا قصدت بحسن الشخص، وهو أيضا حالة تحمل كل الأفكار.

كتب الشاعر مريد برغوثي أمرا أحببته كثيرا. كان يحكي أن الإنسان إذا سرق منه شيء، وكان خلف الأسوار، فإنه دوما سيفكر أن له حبيبا خلفها ينتظره، فنحن جميعا نفكر فيما وراء الأسوار، لكن البحر هو المساحة المفتوحة لنا، هو مساحة الحرية التي لا يمكن لأحد أن يأخذها منا.

الحرية هي ألا يشعر الإنسان بأنه وحيد، كما تقول أمي في بداية الفيلم.

* فيلمك شخصي فهل تنحازين لهذه النوعية من الأفلام؟

- هناك مفهوم خاطئ عن الأفلام الشخصية، ففيلمي ليس عن الذات تعري ذاتها للجمهور حتى يرتاح الجمهور، لكنه فيلم يعتمد على مشاركة الآخرين. فالجمهور الذي لا أمارس عليه أي ديكتاتورية، أقدم له تجربة مشاركة صناعة الحلم/الوطن. أخترع حبيبي أمام عيونه. ليس هناك صورة لحسن، أرسم البيت، وأسعى حتى يصل المشاهد لتصديق الخيال. الوطن موجود بداخلنا والحرية بداخلنا والحبيب كذلك بداخلنا.

المصدر : الجزيرة