زكريا جابر

"ما هو شعور الوحدة، دون اتجاه إلى البيت، دون خارطة، ودون أن يعرفك أحد، وأن يراك؟"، يلخص بوب ديلان ما كان يشعر به جيل الخمسينيات والستينيات في الولايات المتحدة الأميركية أو ما يُعرف بجيل "البِيت" (Beat Generation)، الذي عُرف كثورة اجتماعية وفكرية على اللغة والمضمون من الناحية الثقافية، أي تكسير اللغة وعدم اتباع قوانينها والتعري فكريا حسبما كان يسميها أحد شعراء تلك الفترة "آلان غينسبرغ".

تقوم هذه الثورة على خليط من قواعد لغوية وأفكار روتينية للوصول إلى أدب معاصر يُمجد التحرر والتمرد على المجتمع الأميركي المحافظ، فيصبح كل شيءٍ عاديا والغير اعتيادي يُناقش، وأن لا طريق إن كانت هناك خارطة أو كان ثمة من يرشدك إلى مكانٍ ما، فكل شيء مفتوح وكل شيء معولم.

بوب ديلان كان من أكثر الفنانين المكروهين في الولايات المتحدة من قبل الفنانين الآخرين. لم يكن هذا الكره شخصيا بل سوء تفاهم وغيرة المشاهير بعضهم من بعض

مخرج فيلم "لا اتجاه إلى البيت" هو مارتِن سكورسيزي، الأميركي من أصل إيطالي والذي يعد من أشهر المخرجين في هوليوود، والحاصل على جائزة أفضل مخرج في مهرجان الأوسكار عن فيلم "المغادرون"، وترشح لهذه الجائزة خمس مرات.

وقد تعاون مع الممثل روبيرت دي نيرو بعدة أفلام منها "سائق التاكسي" taxi driver الذي فاز به مارتن سكورسيزي بالجائزة الذهبية في مهرجان "كان" السينمائي عام 1976 وفيلم Raging Bull (الثور الهائج) الذي حصل به الممثل روبرت دي نيرو على جائزة الأوسكار لأفضل ممثل رئيسي للمرة الأولى.

تأثيرات ديلان
يتابع سكورسيزي حياة "بوب ديلان" وتأثيره على القرن العشرين في الموسيقى الشعبية الأميركية والأدب الحديث منه الشعر والروائي وفن الأغنية.

ويركز على الحقبة بين وصول ديلان إلى نيويورك عام 1961 وتقاعده من الجولات العالمية ثم حادث الدراجة النارية الذي مر به في يناير/كانون الثاني 1966.

هذه الفترة تلخص تطور ديلان موسيقيا وشعبيا ورحلته إلى الشهرة مغنيا شعبيا وكاتب أغان، والجدل المحيط به بسبب انتقاله إلى نوع ونمط جديد في الموسيقى، وهي موسيقى الروك.

واسم الفيلم مقتبس من إحدى أغانيه المشهورة والمسماة على اسم أهم ألبوماته، وهو "Like a rolling stone" أي كحجر يدور. والاسم مستوحى من فرقة الرولينغ ستونز الأميركية التي كانت من الفرق الأولى التي كانت تستعمل نمط الروك أند رول في الموسيقى.

عُرض الفيلم للمرة الأولى على شاشة الـPBS الأميركية في الولايات المتحدة كجزء من سلسلة "الأسياد الأميركية" (American Masters)، وهي مجموعة أفلام تستعرض شخصيات كان لها تأثير في الولايات المتحدة ثقافيا وشعبيا. ثم عرض في المملكة المتحدة البريطانية ضمن مجموعة Arena Series على شاشة الـBBC الثانية في 26 و27 سبتمبر/أيلول 2005.

ظهرت ملامح الفيلم في العام 1995، حين بدأ "جيف روزين" وهو مدير أعمال بوب ديلان، باتخاذ مواعيد للقاء أصدقاء ديلان والمقربين منه، ومن بين الذين قوبلوا الشاعر "آلان غينسبرغ" وقد كان صديقه المقرب جدا، بالإضافة إلى الموسيقي والمغني الشعبي دايف فان رونك، وكلاهما مات قبل الانتهاء من إنتاج الفيلم. ومُنِحت لسكورسيزي مقابلة نادرة جدا مع حبيبة ديلان القديمة "سوز روتولو" ثم أعلنت لمجلة "Rolling Stones" أنه أسرت جدا بنتيجة الفيلم. بالإضافة إلى أن إنتاج هذا الفيلم الاثنين فرصة اللقاء عشر ساعات براحةٍ كاملة عام 2000.

أرشيف عريق
بوب ديلان يفتح أرشيفا عريقا للفيلم من مقابلات وصور وفيديو لم تنشر من قبل، وبالإضافة إلى مقاطع من حفلاته الأولى وتسجيلاته التي لم تُنشر.
يتابع سكورسيزي حياة "بوب ديلان" وتأثيره على القرن العشرين في الموسيقى الشعبية الأميركية والأدب الحديث منه الشعر والروائي وفن الأغنية

لم يصفه أحد بتلك الدقة وأعطاه حقه الكامل كمارتن سكورسيزي، فديلان كان من أكثر الفنانين المكروهين في الولايات المتحدة من الفنانين الآخرين. لم يكن هذا الكره شخصيا بل سوء تفاهم وغيرة الأدمغة والمشاهير بعضهم من بعض.

السؤال الأكثر تداولا في المشهد الموسيقي الأميركي كان "كيف أصبح النشاز غناء؟ وكيف أصبح الشعر كلمات أغان؟". وكان جواب سكورسيزي أن "بوب ديلان رمز ثقافي عالمي حقيقي.
 
هذه هي المرة الأولى أن يعطى الرجل هذا الوصف الدقيق غير المسبوق إلى جانب مواهب صناعة الأفلام المتميزة بمارتن سكورسيزي، يجب توفير صورة لا مثيل لها أثرا لإثبات نظرية أن بوب ديلان هو حقا من أحد المتميزين والمتألقين والأكثر تأثيرا بالقرن العشرين وبالإضافة إلى أنه حتى الآن ما زال جيل أواخر التسعينيات والقرن الواحد والعشرين يستمعون إلى قصائده ويرددون وراءه.

المصدر : الجزيرة