غدير أبو سنينة

رغم أن الفيلم التسجيلي المغربي "أغنية السلاحف" للمخرج المغربي جواد رحليب يرصد لنا الأحداث الأخيرة في المغرب، والتي واكبت حركة الشارع العربي من انتفاضات وثورات ورغبة في التغيير؛ فإننا لن نفهم قبل الانخراط بمشاهدة أحداثه كيف للسلحفاة التي ترمز للإيقاع البطيء أن تغني!

أوجد صناع الفيلم هوية خاصة به حينما كانت البداية لوحة تعبيرية لشابة تحاول الخروج من كيس أسود موشح بكتابة، قبل أن نراها هي ذاتها ترتدي لباسا أبيض خطّت عليه عبارات كثيرة كإحدى وسائل التعبير عن رفض الواقع "البائس" الذي يعاني منه المجتمع المغربي على الأصعدة الاقتصادية والتعليمية والثقافية وغيرها.

إلا أن الفيلم لن يختلف أيضا عن معظم الأفلام التسجيلية التي يكون فيها صوت الراوي هو الدليل المرشد للمشاهد، وإن كان يستخدم مقاطع من كتابِ مَن بإمكاننا اعتباره البطل الرئيس في الفيلم، الصحفي والمعتقل السياسي السابق "خالد جماعي".

ما حدث في بلدان الربيع العربي جعل الشباب في الفيلم يفضلون أن يكونوا السلحفاة التي تصل -رغم بطئها- مبكرة على الأرنب الذي ظن أنه سيصل أولا، مع أن الطريق أمامه ما زالت طويلة

خلع آذان الجدران
يبدأ الفيلم بمقدمة عن تاريخ المغرب الحديث مسلطا الضوء على "سنوات الرصاص" التي شهدها المغرب في عهد الملك الحسن الثاني، وأيضا القمع والتنكيل والاستبداد وخصوصا بعد ثورة الخبز عام 1984. وكان من نتائج تلك السياسة انتشار الخوف والترويع حتى أصبح أبناء المغرب يخشون من الجدران ذاتها التي صدقوا أن لها آذانا حقيقة. لم يكن الخوف فقط من السلطة بل أيضا من المجهول ومن شعور الشخص بأنه مراقب دوما.

وبوتيرة بطيئة تتناسب مع العنوان، ينقسم الفيلم لثلاثة أقسام: الأول "زمن الثورة" الذي يستعرض نشوء حركة 20 فبراير والبدء بنشر الوعي بين الشباب، والدعم الذي تلقته الحركة من معظم الأحزاب في المغرب اليمينية منها واليسارية والمنظمات الحقوقية التي اتفقت على كثير من المطالب جوهرها التغيير من حق الإنسان المغربي.

ذلك الحراك الذي لم تكن الهتافات والشعارات والمظاهرات فقط من ملامحه، إنما استخدمت الفن والثقافة وسيلتيْ تعبير تعكسان سلمية الطريق للوصول إلى المبتغى، تفاديا لإعادة المشهد القمعي السابق إبان حكم الحسن الثاني.

ولهذا سيتخلل مشاهد الفيلم مشهد الفنانة والناشطة المغربية كنزة بن جلون التي تحولت صرخاتها الداخلية لعبارات تخطها في غرفة تشبه صفحة بيضاء جاهزة لسماع ما صمّت السلطة أذنيها عن سماعه من مطالبات اختزلتها بالحرية والعلمانية. أما الموسيقى التصويرية التي ترافق المشاهد فهي الأغاني الحديثة كالهيب هوب الذي يلخص الحالة المزرية التي صارت عليها الأوضاع في المغرب بلكنة ساخرة.

مؤشر الحماسة بانخفاض
يبدو القسم الثاني أكثر درامية، حين يبدأ مؤشر حماس هؤلاء الشباب بالانخفاض شيئا فشيئا حين وضع الملك محمد السادس دستورا جديدا في الشكل قديما في المحتوى لم يغير شيئا من الأوضاع، كما بيّن أبطال الفيلم وعلى رأسهم الجباعي الذي مثّل صوت العقل والحكمة في الفيلم مقارنة بالنشطاء الآخرين الذين ظهرت عليهم الحماسة ثم الإحباط الذي كان نتيجة عدم التفاعل مع مطالبهم بالسرعة التي كانوا يحلمون بها.

سمي القسم الثاني بـ"زمن الإسلاميين"، ورصد انسحابهم من حركة 20 فبراير وتولي أحد المحسوبين عليهم (عبد الإله بنكيران) رئاسة الوزراء. للمشاهد أن يبدي تعاطفه مع الحركة التي خابت آمالها بهذا التغيير الذي ساهم بإضعافها، لكنه قد يأخذ على صناع الفيلم استبعادهم لأي رأي من أفراد تلك الحركات الإسلامية كون الفيلم يناقش أصلا حرية الرأي والتعبير لكنه لم يطرح وجهة النظر المخالفة أبدا.

ثمة أفكار إبداعية بطرق التعبير اتخذها الناشطون في الحركة، كانت نوعا من التجديد والخلق لكسر حاجز الخوف الذي يسيطر عادة في المظاهرات والفعاليات التي لطالما كانت نهايتها القمع والسجن والتعذيب. أفكار تتخذ أشكالا فنية مختلفة كاستخدام "المكنسة" رمزا لتنظيف الواقع والمجتمع، والأغنية الحديثة التي تستخدم الفكاهة لنقد السلطة بالعمق، محافظة على هيئتها السلمية.

يبقى القسم الثالث الذي كان يحمل عنوان "زمن الحرب الثقافية"، وبه نرى الساحات التي كانت تمتلئ بالمتظاهرين فارغة منهم وقد حلت أسراب الحمام مكانهم. لكنه يكمل ما بدأه القسم الثاني من نقد شديد للإسلاميين وأفكارهم "الرجعية" كما وصفها أبطاله الذين بينوا كيف أنهم يحاربون الفن والثقافة.

شحنات فرح لا توتر
كل هذا لن يمنع هؤلاء الشباب من الاستمرار بالتعبير عن مطالبهم بوجوب التغيير، وخصوصا فيما يتعلق بحق التعليم ومحاربة الفساد بنشر الوعي بين الناس والخطابة فيهم وتوزيع المنشورات وغيرها من الأساليب التي لا تخلو من مسحة فنية وأحيانا فكاهية، مصرّين على إشاعة أجواء الفرح والرقص في جو كان من المفترض أن ترتفع فيه شحنات التوتر.

للمشاهد أن يبدي تعاطفه مع الحركة التي خابت آمالها، لكنه قد يأخذ على صناع الفيلم استبعادهم لأي رأي من أفراد الحركات الإسلامية كون الفيلم يناقش أصلا حرية الرأي والتعبير

وإذا كان الحراك المغربي قد حقق شيئا فهو أن الخوف بدأ ينزاح شيئا فشيئا عن قلوب الناس. نرى ذلك جليا بالفيلم الذي تقوم به سيدة تبدو متواضعة الثقافة لكنها تختزل الحكمة في كلمتيها البسيطتين اللتين خاطبت بهما مواطنيها في أحد الميادين العامة بالرباط، حين حملت مسؤولية ما يجري للأمة المغربية، مشيرة إلى أن التغيير عليه أن يبدأ من الشعب في البداية الذي هو نفسه يمارس أعمال الفساد حين يسمح بالرشوة على سبيل المثال.

حمل الفيلم عناصر كثيرة، من حماسة ونقد وفكاهة وفن وثقافة وأفكار توعوية، لكنه أهمل بشكل طفيف الوتر الإنساني الذي لم يُجد صُنَّاعه تماما اللعب عليه.

في النهاية، لم يفلح هؤلاء الشباب بعد بتحقيق مطالبهم، وعلى الأرجح أنهم أصيبوا بالإحباط حين رأوا كيف تمكن الشباب من جيرانهم في تونس ومصر وليبيا من إسقاط رؤسائهم، لكن ما حدث في تلك البلدان فيما بعد جعلهم يفضلون أن يكونوا السلحفاة التي تصل -رغم بطئها- مبكرة على الأرنب الذي ظن أنه سيصل أولا مع أن الطريق أمامه ما زالت طويلة.

المصدر : الجزيرة