راشد عيسى

يبدو الفيلم التسجيلي "شيء من الحياة، شيء من الحلم" (Bouts de vies,bout de rêves) للمخرج الجزائري حميد بن عمرة، كأنما يتقصّد أن يبني حكاية داخل حكاية. حيث يحكي عن التشكيلي الجزائري مصطفى بوطاجين المقيم في باريس، والذي كرّس نفسه بدوره لرسم "بورتريهات" لشخصيات لها دورها في تاريخ الجزائر والحركات الثورية في العالم. "البورتريه" هنا ليس مجرد لوحة ذاتية، بل حكاية بلد، ونضال، وتاريخ، وثقافة تناضل للخروج إلى الشمس.

يقدم المخرج لفيلمه بالقول "أن تكون سينمائيا ثوريا لست بحاجة لاقتناء رشاش، وإنما أن تكون شاهدا على تاريخك". هنا استعادة لدور للفن والإبداع بدا مفقودا، بل لطالما سخر منه النقاد، أي أن يكون المبدع شاهدا على عصر، فهذا دور يأنف منه الإبداع بسبب ربطه بوظيفة مباشرة، قد تصبح لصيقة الهموم السياسية.

إيليدا الابنة البكر لتشي غيفارا حضرت في "شيء من الحياة شيء من الحلم" (الجزيرة)

الكاميرا واللوحة
الفيلم (إنتاج العام 2012، 103 دقائق) لا يتهرب من مهمته في الإدلاء بشهادته على عصر، وإن من بوابة الثقافة والإبداع. ليست مجرد مصادفة أن يختار المخرج بن عمرة مواطنه الفنان الجزائري بوطاجين موضوعا لفيلمه، فالمخرج يحذو حذو بطله في توثيق كمٍّ كبير من الشخصيات والأحداث العالمية التي تسعى إلى "إدراج تاريخ الثورة الجزائرية في سياق عالمي للكفاح ضد كل أشكال القمع، مثل العنصرية والدكتاتورية أو استغلال ثروات بلدان الجنوب على حساب السكان".

مصطفى بوطاجين كان درس الفنون الجميلة في الجزائر وباريس واستقر فيها، يرسم بتقنية الكولاج التي يعتمد فيها على تمزيق المجلات البرجوازية ويصنع من قصاصاتها لوحات لشخصيات ملتزمة. وهنا يولد ما يعتبره تناقضا بين التصوير بهذه التقنية ومحتوى هذه المجلات. يقول بوطاجين في أمكنة أخرى "من خلال هذا أحكي قصتي، مع كل ما أشهده من ظلم اجتماعي ومن إمبريالية بشكل عام. أنا ملتزم بهذه الرسالة وهذه المعركة لمواجهة وفضح الظلم في العالم من خلال لوحات وقصص".

رسم بوطاجين بورتريهات لتشي غيفارا والشاعر الإسباني فيدريكو لوركا، والمغني الجامايكي بوب مارلي، والكاتب الأميركي جيمس بالدوين، وفيدل كاسترو، وفرانز فانون، وتومي سميث، ومالكوم أكس، ومحمود درويش، والمغنية الأفريقية ميريام ماكيبا، إلى عدد كبير آخر من الشخصيات. إلى جانب عدد من الجزائريين من بينهم كاتب ياسين، وعبد القادر علولة الذي قضى اغتيالا على يد متطرفين في الجزائر، وجميلة بوحيرد التي يعتبر أنها تمثل النساء الجزائريات اللواتي تعرضن للظلم والتعذيب والاغتيال، وغيرهم.
 
ميريام ماكيبا (1932-2008) غنت للمضطهدين وأنشدت بالفيلم النشيد الجزائري (الجزيرة)
طريق واحد وروايتان
وإذا كان الرسام أراد أن يروي من وراء تلك الوجوه قصص بلاد وشعوب، فإن المخرج راح أيضا يروي على طريقته، حين يذهب إلى إبداعات مختلفة من موسيقى وسينما ورقص وفنون شعبية مختلفة.

وإذا كان عمل الفنان يتلخص بإلصاق تلك القصاصات المستلّة من مجلات ملونة، فإن عمل المخرج كان نوعا من لصق قصاصات من مقابلات وأغان وموسيقى وإيقاعات وصور قديمة بالأبيض والأسود أو حديثة ملونة، ليصنع المخرج بذلك البورتريه الخاص به، الموازي للبروتريه الذي رسمه الفنان.

بن عمرة ينطلق أحيانا مع كاميرته من وجه في مرسم بوطاجين ليمضي، في لعبة توليد الحكايات، إلى حكاية أشمل قد تنتهي في الطريق في بلد ما. وعلى سبيل المثال يصوّر المخرج زميله السينمائي الفلسطيني رشيد مشهراوي الذي يقوم بدوره بتصوير تظاهرة ترفع الأعلام الفلسطينية واللبنانية في شوارع باريس، سرعان ما تصبح التظاهرة هي الهدف، وإذ تعثُر كاميرا المخرج على يولا خليفة (زوجة الموسيقي والمغني اللبناني مارسيل خليفة) بين المتظاهرين فلن تتركها من غير أن تحكي قصتها، الشخصية في جانب منها، وحكاية بلدها في جانب ما، لتختم معها بحديث عن الجزائر، عن حبها للبلد المناضل، إلى أن تختم بحكاية حفل مارسيل هناك حين غنّى "مناضلون"، لتنتهي الحكاية في رقص فولكلوري في شوارع الجزائر.

بن عمرة مخرج بارع فعلا، ليس فقط في ابتكار طريقة لبناء الفيلم تشابه طريقة الفنان بوطاجين نفسه، بل بمهارته في خلق إيقاع رشيق وخفيف للفيلم، الطويل نسبيا، والذي بدا في منتهى الخفة. الإيقاع، الأفريقي خصوصا كان حاضرا دائما، عدا عن أن الصورة نفسها تسهم بخلق إيقاع سريع ما، بعض الصور كانت أشبه بلوازم بصرية، مثل المرور السريع على صفوف المجلات التي يستعملها الفنان في الكولاج، وكذلك مرور الكاميرا فوق حجارة الطريق السوداء. هذا عدا عن اختيارات رفيعة الذوق لأغان ومقطوعات موسيقية، بعضها من التراث الجزائري أو المغاربي عموما "بابور زمّر خشّ البحر"، "يا رايح"، إلى جانب أغان لمارسيل خليفة والشيخ إمام وعبير نصراوي، وسواهم.

تابع الفيلم كذلك تجربة رسم يخوضها الفنان بوطاجين في محترف للرقص، يتابع المشاهد مع الكاميرا وهي تلاحق خطوط الرسام، قبل أن تحطّ على أجساد الراقصات، إلى جانب مشاهد بالأبيض والأسود لامرأة (الراقصة آسيا جمرا) ترتدي اللباس الجزائري التقليدي وتؤدي رقصة تعبيرية في الطريق.
 
المخرج حميد بن عمرة برع في خلق إيقاع رشيق للفيلم الطويل نسبيا (الجزيرة)
زمن آخر
يبدو الفيلم برمته وكأنما ينتمي إلى زمن آخر، بمنطقه وشخصياته، إنه نوع من الاحتفاء بذلك العالم "المناضل"، الذي ما زال يتحدث عن صراع الجنوب الفقير والمظلوم مع الشمال الغني المستعمر، الذي وإن رحل فقد أخذ معه كل مقدرات البلاد، حتى الثقافية منها. التقديس لشخصيات باتت ترمز إلى العنف، غيفارا على سبيل المثال، أو أنجيلا ديفيس، الشيوعية المناضلة في حركة "الفهود السود"، التي أدينت العام 1970 بالتآمر ضد الدولة، وأطلق سراحها بعد 16 شهرا من السجن. ديفيس ساندت الكفاح المسلح ضد الرأسمالية والإمبريالية قبل أن تصبح أستاذةً جامعية في كاليفورنيا "غير نادمة على أي من التزاماتها السابقة".

هذا التقديس هو ربما الذي جعل حظوظ الفيلم قليلة في العرض في مهرجانات عالمية هنا وهناك. فمن يريد لذلك العالم أن يعود؟ المخرج نفسه اعتبر أن ذلك مردّه إلى أن الغرب، حين يتردد في عرض هذا النوع من الأعمال، فلأنه لا يريد أن يرى أي ظلم ومجازر ارتكبها هناك. مع العلم أن الفيلم يتناول ذلك الصراع من زاوية ثقافية وفنية.
 
فيلم عن أحلام قديمة وأجواء باتت من الماضي قد يكون هو بالضبط ما يجعل الحاجة ماسة لسينما تسجيلية تصوّر وتوثق العالم كما كان. أما نظرة المخرج -وكذلك الفنان التشكيلي- لذلك العالم القديم فهي تستحق النقاش طويلا، ولا ندري ما حصة السينما من ذلك النقاش.

المصدر : الجزيرة