حميد بن عمرة

إن كلمة "سينما" المشتقة من سنيماتوفراف بمعناها الإغريقي أي كتابة الحركة، لتعبّر بوضوح عن ماهية هذا الفن.

والحياة حركة متواصلة تلتقط العدسة منها جزءا تحجزه في إطار مربع أو مستطيل المحيط. تأخذ الكاميرا لحظات من فضاء وزمان كأنما تسرق من الصيرورة جزءا من الحياة.

وأول لقطة للأخوين الفرنسيين لوميار كانت لخروج عمال من باب ورشتهم بمدينة ليون. كأنما اهتمام الابتكار الجديد آنذاك كان الحياة العادية في حركتها الطبيعية.

فهل كان تسجيل هؤلاء العمال على شريط ٣٥ ملم لمدة لا تفوق ٤٥ ثانية أول فيلم تسجيلي أم كان ذلك عفويا دون أي غرض مسبق التفكير.

إن توثيق شيء من الحياة لا يعد قنصا لزمن ومكان ما، كما أنه ليس مجرد شهادة احتفظ بها على مادة خام. هل إدراج هذه المادة الخام ضمن سجل ما يجعل منها فيلما تسجيليا؟
تساؤل مستمر
إن التعريف بماهية التصوير وأهمية الكاميرا في تسجيل الحياة يحتاج إلى تساؤل مستمر أكثر مما هو بحاجة للأطروحة المدرّسة في كليات السينما.

هل كان روبرت فلاهرتي الأميركي وفيلمه "نانوك الإسكيمو" أول واضع لأسس هذا الفن أم أن دزيفا فيرتوف السوفياتي بفيلمه "رجل الكاميرا" هو من أتقن فن تصوير الحياة دون سيناريو مكتوب؟

هل بلغ الفيلم التسجيلي أوج سماته بعمل جان روش الفرنسي واندماجه بحياة الأفارقة الذين شاطرهم طقوسهم وصار منهم، أم ما زال هذا الأسلوب يتطور وينفتح لصيغ جديدة بحلول وسائل التصوير السهلة التناول؟

الموسوعات تعج بالأسماء ولا يمكن ذكرها جميعا، ولكن تسليط الضوء عن ضرورة التصوير في تدوين تاريخ الأمم يجعلنا نعتني كثيرا بقوة هذه الأداة وتأثيرها على ثقافة المجتمعات وسياسة بلدانها.
 
إن التاريخ حاليا لا يكتب بالحبر فقط بل صارت الكاميرا أقرب بكثير في حفظ ذاكرة الأجيال من تعريفها الأول.

إضاءة أم حجب؟
هل السينما نافذة تُفتح على حياة الناس أم كيان مؤثر على وجودنا؟ هل هي إضاءة على موضوع معين أم أنها تحجب بمجرد هذا الاهتمام موضوعا آخر قد يكون أكثر أهمية؟

هل الحدث هو محور الشريط أم أن ما يحيط بالحدث هو موضوع التصوير؟ هل تحتاج السينما التسجيلية إلى خطوط ترسم نهج الفيلم أم أن الواقع يكتب قصته بنفسه؟

لم يكن هذا ممكنا قبل العام ١٩٦٠ مع ظهور أول كاميرا ذات العيار ١٦ ملم المحمولة، الصامتة المحرك وإمكانية مزج صورها بصوت مباشر التسجيل. قبل هذا كان الصوت إما مدبلجا أو معوّضا بالموسيقى.

الفيلم التسجيلى ليس مجرد وضع عدسة على قرية أو شارع أو وجه حتى تكون للصورة مصداقية، بل هو مرآة تعكس قبل كل شيء حساسية المخرج-المصور.

هل الدفع بمن نصور للتمثيل أحيانا يخدم الموضوع دراميا؟ هل توظيف حيل الأسلوب الروائي للتعبير عن مشاعر باطنية غير ملموسة بالحياة اليومية يجعل من السينما التسجيلية غير موضوعية ولا تخلو من التشخيص؟
إن توثيق شيء من الحياة لا يعد قنصا لزمن ومكان ما، كما أنه ليس مجرد شهادة احتفظ بها على مادة خام.

هل إدراج هذه المادة الخام ضمن سجل ما يجعل منها فيلما تسجيليا؟ هل تنمو السينما الواقعية من خلال سياسة سينمائية هدفها التفاعل مع الجمهور والحفاظ على ذاكرته أم أنها واجهة سياسية دعائية تخفي وراء جمال لقطاتها رسالة ذات أغراض نفعية؟

إن المخرج-المصور بحاجة للاندماج مسبقا بالبيئة والناس الذين يريد تصويرهم، لكنه قد ينحاز ويفقد موضوعيته لقربه وعلاقته بهم.

فلاهرتي لم يحترم حياة الإسكيمو، بل تدخل في سلوكهم ووظّفهم لأغراض السرد حتى إنه أوهم جمهوره بوجود علاقة زوجية بين بطله وامرأة من القبيلة دون أن يكون لذلك وجود!

إن استعمال الكاميرا إبان الحروب العالمية كان بمثابة سلطة مهيمنة على شعور الناس. كانت ليني ريفانستال بارعة في إعطاء الجيش النازي طابعا ملحميا. وكان الفرنسي روني فوتيي في حرب الجزائر من عرف العالم باستعمال فرنسا للنابالم. فوتيي الذي يعد المصور الوحيد الذي برأسه شقفة من كاميرا، إذ أنقذت حياته الكاميرا التي تحولت إلى درع إثر انفجار بالجبل. لم يتمكن الجراح من استخراج الشقفة التي بقيت برأسه حتى الآن.

إذن هل تقف السينما الثورية ضد الاستعمار أم أنها وسيلة تزييف الأحداث لمعسكر ما؟ هل الدفع بمن نصور للتمثيل أحيانا يخدم الموضوع دراميا؟ هل توظيف حيل الأسلوب الروائي للتعبير عن مشاعر باطنية غير ملموسة بالحياة اليومية يجعل من السينما التسجيلية غير موضوعية ولا تخلو من التشخيص؟

إذا كانت الأسئلة المطروحة على المستجوب قد تبعده عن أفكاره الأصلية فهل من المستحسن أن يكون الدور التسجيلي بحثا عن حقائق الأفكار أكثر من توجيهها لفكرة مسطرة سابقا.
 
الاستجواب والتحقيق
هل تشكك مهارة المصور ودقة إطار صورته في مصداقية النتيجة التسجيلية أم أن الموضوع يفرض نوعا من التصوير؟ ما الفرق بين الاستجواب البوليسي وتحقيق السينما التسجيلي عندما يخرج صاحب الشريط عن نزاهة القواعد الموضوعية؟

هل وضع المصور-المخرج لمن يصوره بمكان ما عوض الآخر يجعل من هذا الأخير ممثلا لدور ما؟ يقول دوفجانكو آلكسندر زميل تزيفا فرتوف "كل إنسان قادر على تمثيل دور في حياته ولو لمرة واحدة، دورنا الشخصي".
هل السينما إضاءة على موضوع معين أم أنها تحجب بمجرد هذا الاهتمام موضوعا آخر قد يكون أكثر أهمية؟ هل الحدث هو محور الشريط أم أن ما يحيط بالحدث هو موضوع التصوير؟

نعم أن نكون نحن لا غيرنا. وهل هذا ممكن فعلا بوجود العدسة، هذه المرآة ذات الذاكرة؟

إن وجودها بالمطارات والشوارع والمراكز التجارية وحتى بحواسبنا وهواتفنا الشخصية يجعل من العدسة العين الثالثة.

فضولنا الفطري بحاجة للتعرف إلى حياة الناس من خلال السينما التسجيلية التى تدخل بنا إلى بيوت الناس وتجعلنا نشاطر حياتهم. لكن هل هذا الفضول سليم النية أم أنه تجسس وترصد استهلاكي بحت. لماذا نفضل مشاهدة الواقع بدل أن نعيشه فعلا؟

إذا كانت السينما كتابة الحركة فإن لهذه الكتابة أبجدية وقواعد تجعل منها لغة كاملة المنهج. فكيف للجمهور قراءة السينما دون معرفته للحروف التي تستعملها؟

هنا يكمن دور السينما كأداة تعليم وتثقيف نحتاج لتعلّمِ نحوِها وتصريفِ أفعالها بمدارسنا الابتدائية.

المصدر : الجزيرة