مهند صلاحات-ستوكهولم

ينطلق مخرج الفيلم التسجيلي "عندما يستهدف الصحفيون" من السؤال المتجدد بشأن كافة أشكال الاستهداف التي يتعرض لها الصحفيون في المنطقة العربية، ملتزما بالإطار العام للسلسلة التسجيلية التي تعرضها فضائية الجزيرة الإخبارية "تحت المجهر"، حيث يقدم المخرج الفلسطيني بشار حمدان تساؤلاته حول: لماذا يستهدفون ومن يستهدفهم، وكيف يتم استهدافهم؟ في فيلمه الذي أنتج عام 2012 وعرض ضمن السلسلة الوثائقية ذاتها.

يعالج الفيلم موضوعا راهنا ذا أهمية اجتماعية وسياسية وحياتية معاصرة، لكونه يحمل فكرة قادرة على إثارة النقاش والتساؤلات التي لا تتوقف، ويقدم محتوى مختلفا على أسس فنية وإنتاجية ملتزمة بشكلها التوثيقي.
الأنظمة الشمولية والاحتلال يعتبران الصحفيين خطرا مباشرا عليهما (الجزيرة)

توثيق الشهادات
ينطلق الفيلم من فكرة الاعتداء على الصحفيين بوصفهم شهود العيان الذين يوثقون شهاداتهم من الحدث مباشرة، وبالتالي يشكلون خطرا مباشرا إما على أنظمة سياسية شمولية، أو على قوى خارجية ترتكب ما يمكن اعتباره مخالفات للقانون الدولي أو جرائم ضد الإنسانية كما في حالة الاحتلال.

يمكن القول إنه يقدم طرحا مباشرا واقعيا، ويمكنه أن يستحوذ على اهتمام المتلقي منذ البداية من خلال طريقة تقديم عناصره الأساسية: الصورة، الموضوع والصوت، وينقل متلقيه إلى أجواء الأحداث ذاتها التي عاشها صحفيون دفعوا حياتهم ثمنا لمحاولتهم تغطية الأحداث، أو اعتقلوا أو أصيبوا أو خطفوا ليختفوا في ظروف غامضة حتى اليوم، بالتالي فهو يعرض مجموعة وثائق مصورة تدين المعتدين على "حراس الحقيقة"، منطلقا من هذه البداية التي تعرض لهؤلاء الشهود الذين وثقوا صورا تدين قاتليهم تارة، أو صورتهم مباشرة، أو وثقت زملاء لهم فقدوهم أثناء الواجب المهني.

رغم أن السلسلة التسجيلية "تحت المجهر" اختارت نمط فتح الملفات حول موضوع ما، ومناقشتها فإن هذا الفيلم حاول تقديم بعد جديد وهو البعد الاستقصائي، مما جعله إضافة مهمة في موضوع متجدد لا يتوقف، خاصة في الظرف الراهن للمنطقة العربية التي تشهد منذ ما يزيد على ثلاث سنوات أشد موجة ضد الصحفيين منذ انطلاق انتفاضات الربيع العربي، فارتفعت وتيرة استهدافهم في محاولة لمنعهم من متابعة الأحداث وقمع التظاهرات والتدمير الممنهج في سبيل حماية أنظمة شمولية قائمة.

من مصر إلى اليمن وليبيا، وهي من دول الربيع العربي، ومن العراق إلى غزة حيث الاحتلال يرتكب الجرائم بحق المدنيين والصحفيين على حد سواء، تتنوع أساليب الاستهداف للصحفيين بالشكل المباشر للقتل والإصابات والاعتقال والخطف الذي يطوي ملفاته النسيان

الحرية كقضية
وكما أن مهمة الفيلم التسجيلي والاستقصائي إثارة القضايا والنقاشات حولها فإن الفيلم استطاع أن يحقق شرطه هذا، ومن ذلك طرحه تزايد أعداد الصحفيين الجدد غير المتمرسين وغير المدربين على العمل في مثل هذه الظروف.

ينتقل الفيلم بعدة مستويات في طريقة الطرح والعرض للصورة والمعلومة، فهو يجمع بين الأسلوبين التحليلي والمركب في معالجة الموضوع في إطار متناسق يعرض الشهادات والوثائق والنتائج بانسيابية تحقق هدفه في إيصال رسالته.

هنا يمكن أن نرى تكاملية أدوار فريق العمل، فالرؤية لدى المخرج لم تكن لتبرز بهذا الوضوح لولا فرق عمل مختلفة، انتقلت خلال عدة مناطق وبلدان وعملت بشكل منسجم حافظ على وحدة التصوير، إضافة للعنصر الضابط لإيقاع الفيلم وهو الدور الذي تولاه المونتاج، حيث منح المونتير صلاح الفقها خصوصية الشكل الذي أراده المخرج بالفعل.

ولمزيد من الانسجام جاءت موسيقى غيا إرشيدات لتضيف المعادل المسموع للمشاهد، مانحة أبعادا أكثر حساسية في إشراك المتلقي حسيا من خلال تفعيل حاسة السمع في الاندماج في المشهد بشكل موازٍ للصورة، مشكلة خلفية مسموعة للمتلقي ساهمت في توصيف وإيصال المشاعر كاملة.
بشار حمدان بحث في فيلمه عن أجوبة لسؤال: لماذا وكيف ومن يستهدف الصحفي؟ (الجزيرة) 

الطغاة والغزاة
من مصر إلى اليمن وليبيا، وهي من دول الربيع العربي، ومن العراق إلى غزة حيث الاحتلال يرتكب الجرائم بحق المدنيين والصحفيين على حد سواء، تتنوع أساليب الاستهداف للصحفيين بالشكل المباشر للقتل والإصابات والاعتقال والخطف الذي يطوي ملفاته النسيان.

 هكذا يخلص المخرج في توصيف الحالة العامة والظروف التي عاشها ويعيشها حتى اليوم الصحفيون الذين يعملون في المنطقة العربية، تلك الظروف التي لم تتوقف، ولا يتوقع لها أن تتوقف، فقافلة شهداء الحرية والحقيقة من الصحفيين التي عرضت في نهاية الفيلم يمكن أن تضاف لها قائمة مساوية أو تزيد من ضحايا الأنظمة الشمولية والاحتلال خلال أقل من عامين، فأرقام الإحصائيات اليوم تشير لتضاعف أرقام الضحايا، والتعسف في استهدافهم لم يتوقف، بل يسجل مؤشرات أكثر خطورة عما كانت عليه حتى عام 2012 تاريخ إنتاج الفيلم.

الإحصائيات الحديثة تشير إلى أن أعداد الصحفيين الذين استهدفوا في سوريا وحدها عامي 2013 و2014 تساوي من استهدفوا في المنطقة العربية على مدى عشرة أعوام سابقة، في حين أن الملاحقة والاعتقال التعسفي والأحكام القضائية السياسية ضد صحفيي الجزيرة في مصر -على سبيل المثال- تنبئ بربيع عربي أكثر قسوة ودموية وتعسفا تجاه حرية الرأي والتعبير وتوثيق الحقيقة.

المصدر : الجزيرة