غدير أبو سنينة-مناغوا

انتقلت صناعة السينما من أوروبا إلى أميركا اللاتينية في وقت مبكر، وتعتبر السينما الأرجنتينية رائدة في هذا المجال، إذ شهدت ذات التطور الحاصل في أوروبا بدءا من "صندوق المنظار المتحرك" عام 1894، ثم العرض  بواسطة جهاز "الفيتافون"، ثم ما لبث ما عُرف بالسينماتوغراف والفيتافون عام 1896 أن منحا صورهما لمدينة بوينس أيرس ذات الطابع الأوروبي.

الجيل السينمائي المؤسس في أميركا اللاتينية قَبِلَ أن يتحدى في أرض السينما مضمّنًا أعماله نقدا اجتماعيا. وعن هذا قال بيري: قاتلنا من أجل سينما واقعية، قومية، شعبية ونقدية

لقد ولدت أفلام لوميير (المؤسَّسة على تمثيل ما هو حقيقي على الشاشة) أول تبادل بصري ثقافي وجغرافي متباعد، وفي العام 1896 كان يعرض فيلم "تتويج القيصر نيكولاس" في بوينس أيرس أمام جمهور متنوع من الطبقة العامة والطلاب وقطاعات البرجوازيين المدنيين وأيضا من الشخصيات الحكومية.

التجديد الحقيقي في السينما التسجيلية الأرجنتينية يدين بالفضل للمخرج الأرجنتيني فرناندو بيري -أبو السينما الأميركية اللاتينية الجديدة- الذي أغرته دراسة السينماتوغراف في إيطاليا على العودة إلى وطنه الأم كي يصب فيها قناعاته وأفكاره، وليكون عراب السينما التسجيلية الأرجنتينية ومؤسس "سينما في"، إحدى أهم مدارس السينما التسجيلية في القارة اللاتينية.

فاتحة سينمائية
في عام 1956، عاد بيري من إيطاليا إلى الأرجنتين واضعا نصب عينيه العمل على مشروع سينمائي ينهض بالفن الأميركي اللاتيني، فكان فيلمه الأول "تيري ديي" فاتحة سينما جديدة تعكس الواقع السياسي والاجتماعي لأميركا اللاتينية.

وفرناندو بيري المولود في سانتافي الأرجنتينية عام 1925، سينمائي ومخرج مسارح شعبية وألعاب دمى، وأكاديمي وشاعر. درس الحقوق لأربع سنوات، ثم درس في روما السينماتوغراف بين عامي 1950 و1953، ولدى عودته إلى مدينته سانتافي أسس المعهد السينماتوغرافي بجامعة ليتورال الوطنية.

في عام 1955 حدث تغيير سياسي بسقوط البيرونية (حركة سياسية أرجنتينية)، أزيلت على أثرها عناصر معينة، وولدت آمال جديدة بظهور حركة سياسية جديدة هي "الفرونديسية"، ما لبثت أن خيَّبت الآمال، فظهر جيل من السينماتوغرافيين وانتعشت الحركة الثقافية في السينما والأدب أيضا، وكان كلاهما يحمل فكرة مشتركة تُختزل في الاهتمام بالمستقبل.

فرناندو بيري -أبو السينما الأميركية اللاتينية الجديدة- أغرته دراسة السينماتوغراف في روما بإيطاليا على العودة إلى وطنه الأم كي يصب فيها قناعاته وأفكاره

استطاع ذلك الجيل إفراز عدد من المخرجين الذين طوروا السينما القومية مؤكدين على قيم جديدة في أعمالهم، منها النقد الذاتي.

المقاتلون الأوائل
قَبِلَ ذلك الجيل أن يتحدى في أرض السينما مضمّنًا أعماله نقدا اجتماعيا، وعن هذا قال بيري "قاتلنا من أجل سينما واقعية، قومية، شعبية ونقدية".

كان أمام بيري الفرصة لصناعة سينما تجارية، إذ بعد وصوله إيطاليا بعدة أيام كان على مكتبه ثلاثة سيناريوهات اعتبرها بيري قديمة وكلاسيكية وقليلة التأثير، ولم يكن يرغب في "إضافة كذبات جديدة متراكمة على كذبات قديمة"، فقرر ألا يسلك الطريق السهل المختصر والمجدي اقتصاديا، بل سارع إلى المضي في طريق شاق وعر وطويل لكنه حتما مؤثر، يمكنه به وضع أحاسيسه وأفكاره وقناعاته الشخصية.

في مدينته سانتافي التي تبعد 500 كلم عن العاصمة بوينس أيرس، عمق بيري مفهوم السينما وربطه بالثقافة، وأنشأ مؤسسة السينماتوغراف التابعة لجامعة ليتورال الوطنية (بدعم من رئيس الجامعة د. غولون ومديرة المؤسسة الاجتماعية د. روميرا فيرا). هناك تم تطبيق مفهوم السينما التسجيلية التي تبدأ وتنتهي في الواقع، ليس فقط ليعكسه بل ليساهم في تحسينه.

وهكذا بدأت ورشات عمل جادة تبلورت شيئا فشيئا في ما أسماها البعض "مدرسة ليتورال التسجيلية"، التي لا يمكن نقدها بمعزل عن الظروف الاجتماعية والسياسية التي كانت تمر بها البلاد في تلك الفترة.

الغارقون
كانت البداية تنطلق من الصور التسجيلية أو التوثيقية كخطوة أولية تقترب من الواقع، ثم انتقلت إلى الأفلام التسجيلية التي قضى مخرجوها أوقاتا صعبة في صناعتها من تدريب للعناصر البشرية وتشكيل للتقنيات الجمالية والأخلاقية المناسبة للسينما التسجيلية التي تتفق مع تصوراتهم، والقائمة على أسلوب معين وملتزم وموجه نحو التعليم والكشف عن الحقائق، إضافة إلى النقد.

في مدينته سانتافي، عمق بيري مفهوم السينما وربطه بالثقافة، وهناك تم تطبيق مفهوم السينما التسجيلية التي تبدأ وتنتهي في الواقع

كل هذه الجهود أفرزت فيلم "الغارقون" لفرناندو بيري والذي حصل على جائزة "أوبرا بريما" في مهرجان فينيسيا بإيطاليا عام 1962. وهي واحدة من أبرز الجوائز التي تمنح في حقل السينما التسجيلية، وإحدى أهم الشهادات على تفوق التسجيلي الأرجنتيني حتى اليوم.

في عام 2008 منح بيري أفلامه وكتاباته ورسوماته وجميع أعماله لصندوق حمل اسمه في مكتبة جامعة براون بالولايات المتحدة، وحاز عام 2010 على جائزة فخرية في المهرجان العالمي للسينما في إنسبروك بالنمسا، تقديرا لمسيرته وتأثيره على المهرجان. وقد حمل التكريم عنوان "الحلم بعينين مفتوحتين".

ترك بيري حاليا إدارة المؤسسة التي منحها الكثير من أفكاره وأعماله وجعلها رائدة في مجال السينما التسجيلية الأرجنتينية، وأصبح مستشارا فخريا لا يبخل على فريق المؤسسة بالخبرة النابعة من سنوات من الجهد والتجربة.

المصدر : الجزيرة