عزة سلطان

في عام 1948 قام الاتحاد الدولي للسينما التسجيلية بوضع تعريف لمصطلح الفيلم التسجيلي، وكان في هذا التعريف ""كافة أساليب التسجيل على فيلم لأي مظهر للحقيقة، يعرض إما بوسائل التصوير المباشر، أو بإعادة بنائه بصدق، وذلك لحفز المشاهد على عمل شيء، أو لتوسيع مدارك المعرفة والفهم الإنساني أو لوضع حلول واقعية لمختلف المشاكل في عالم الاقتصاد، أو الثقافة، أو العلاقات الإنسانية".

استطاع فيلم "غزة تعيش" للمخرج الفلسطيني أشرف مشهراوي من خلال حكاياته السبع المفعمة بالأمل والبهجة أن يترجم التعريف أعلاه من خلال الواقع المعاين ومن خلال بنائه بصدق.

يقدم الفيلم سبع حكايات متنوعة في موضوعاتها وأصحابها، فينتقل من أنور الجحجوح الرجل المسن الذي يبيع الذرة منذ 15 عاما إلى كمال خلة مقاول البناء، ثم ريم وردة القادمة من الضفة لتتزوج بقطاع غزة عبر رحلة دامت أياما على الرغم من أن المسافة الفعلية بين الضفة وغزة هي ساعة.
الزوج والزوجة يحتفلان بعيد زواجهما في أحد مقاهي غزة (الجزيرة)

الحكايات
تحكي ريم أنها كانت تنتظر زفة عرس بعربة كارو (أي عربة بحمار) لكنها فوجئت بزفة على البحر وفي سيارة، وفي غزة حيث يعيش الكثيرون في المخيمات، نطالع لحظات اللقاء الحميمة، أثناء نشر الغسيل فتتبادل النساء الحكايات عن الحال والصحة والطهو، ثم يكون الانتقال من البر إلى البحر لنتعرف إلى وائل أبو ريالة وهو صياد، فيحكي عن البحر والصيد، ونرى السمك أيقونة الرزق في المخيلة الشعبية والوعي الغزاوي.

الحياة الصعبة التي يعيشها أبطال الحكايات تستلزم راحة للمشاهد عبر حكاية رومانسية لزوجين يحتفلان بعيد زواجهما في أحد المقاهي، ويقطعان كعكة الاحتفال، وحديث يشع محبة عن ذكرياتهما وحياتهما مختلطة بحكايات الحرب، مؤكدين أن العدو لم ينجح في أن يسرق فرحتهم.

ملامح البهجة نراها في حفل لطالبات إحدى المدارس يرقصن الدبكة بحضور الأهل. الانتقال بين هذه الشخصيات المتنوعة في العمر والنوع يأتي عبر مصور صحفي مكلف بعمل حكايات مصورة عن مظاهر الحياة في غزة.

جاء توليف الحكايات متتابعا. لا تتصل حكاية بأخرى بشكل واضح، لكن ثمة روابط خفية حرص عليها المخرج في بنائها الدرامي للفيلم، فهناك مشهدان أساسيان: الطعام والغناء. يرتبط تناول الطعام والغناء دوما بالفرح والحياة، وفي كل حكاية يظهر مصور فوتوغرافي يوثق اللحظة بينما أصحاب الحكايات متواصلون في حيواتهم.

لحظات على بحر غزة المحاصر إسرائيليا والمشرع على أحلام بغد أفضل (الجزيرة)

حرب وأمل
الحكايات مختلطة بالمرارة أيضا: حديث عن الحرب، عن تدمير البيوت، عن مضايقات من الزوارق الإسرائيلية، وتضييق في الرزق، ومنع مواد البناء من دخول القطاع. حكايات الألم تتقاطع مع حب الحياة، الحكايات المتتابعة والمنفصلة تمثل حالة من التشظي، وكأنها قطع فسيفساء في لوحة متكاملة عن الحياة بصعوبات تفوق القدرة على الاحتمال في الظروف العادية، لكنها أيضا لوحة تضج بالأمل.

تقدم الأرقام الحقائق مجردة بكل قسوتها، فإذا كان أصحاب الحكايات السبع يضحكون ويواصلون فعل الحياة، فإن الأرقام تكشف عمق المعاناة.

وقد عمد مشهراوي في نهاية كل حكاية أن يذيلها بقدر من المعلومات، تبدأ بصاحب الحكاية، ثم تتسع لتشمل معلومات عامة عن حالة البناء أو الصيد. عن وضع النساء في قطاع غزة، وعدد الأطفال الذين استشهدوا وعدد المصابين، وحال التعليم والمدارس.

كثيرا ما يفضل صُناع الأفلام اللجوء إلى الحكايات المتقاطعة، حيث يصنع التداخل حالة من التشويق لدى المشاهد، لكن مشهراوي، يصنع حالة التشويق بشكل مختلف حيث يعمد إلى توريط المشاهد في الحدث.

لا يتحدث عن الظلم، والبؤس، عن ويلات الحرب، والاعتداءات والظروف المعيشية الصعبة، بل على العكس يسعى لإبراز الأمل وجعله محور أفلامه.

سعى المخرج لإبراز الحياة اليومية وجعلها محور موضوع "غزة تعيش" (الجزيرة)

حكايات مكثفة
لجأ المخرج لخلق مناطق التشابه غير المرئية، حيث يشحن المشاهد بمشاهد إيجابية، سرعان ما تمتد في نهاية الفيلم لخليط من الوجع والفرح. يبدأ الحكايات مع رجل مسن وينتهي بحكايات أبطالها أطفال يرقصون الدبكة، رمز مباشر للأمل والمستقبل، لكن المباشرة لم تأت فجة، أو مزعجة، فقد جاءت الحكايات مكثفة قصيرة الزمن عبر خمسين دقيقة. هناك حكايات لم تستغرق خمس دقائق.

مثل هذه النوعية من الأفلام تلعب دورا بالغ الأهمية في القضية الفلسطينية، ذلك لأنها تعتمد الأمل، والمشاعر الإيجابية، وترتكز على فعل الحياة الفعل المشترك بين البشر، حب الحياة هو الأمر المؤكد لدى الجميع مهما اختلفت ألوانهم وجنسياتهم.

"غزة تعيش" فيلم لا ينقل فقط شكل الحياة داخل قطاع غزة المحتل، لكنه يكشف عن اعتداءات صارخة يمارسها العدو الإسرائيلي بحق الفلسطينيين.

نجح مشهراوي في رسم صورة مبهجة عبر مشاهد مميزة، وإضاءة متنوعة كانت الشمس شريكا فيها، فالحكاية تبدأ من لحظات شروق أو غروب الشمس موجودة طيلة الوقت عند أهل غزة، وحب الحياة كذلك.

"غزة تعيش" عمل يستحق المشاهدة، حتى وإن اختلجت الروح بالوجع، فهذه حياة الأهل في جزء من فلسطين.

المصدر : الجزيرة