غدير أبو سنينة-مناغوا

يبدو عنوان الفيلم الأرجنتيني التسجيلي "بيروت-بوينس آيرس-بيروت"، إنتاج 2012، لمخرجه إرنان بيلون طويلا، لكنه يتناسب مع طول رحلة أبطال الفيلم التي لا نعرف إن كانت قد بدأت في لبنان أم في الأرجنتين.

الفيلم التسجيلي سيأخذ شكل الرواية حينما نسمع بطلة الفيلم غراسييلا تسرد أحداثه منذ أن أخبرتها أخت جدتها أن جدها الأكبر الذي قضى حياته في الأرجنتين لم يمت فيها بل غادرها إلى لبنان دون عودة حين كان في الستين من عمره.

صندوق كبير تعهدت به جدة غراسييلا يحوي رسائل الأب (محمد موسى هيثم) إلى أبنائه يصبح في متناول يد غراسييلا التي تقرر أن تخوض مع فريق الفيلم رحلة البحث عن الجذور.
المخرج إرنان بيلون مع واحدة من طاقم العمل أثناء التحضير لإنجاز الفيلم (الجزيرة)

تدخل الكاميرا مع العائلة وتكون جزءا منها ونستمع لحوارات غراسييلا مع جدتها وخالاتها عن ذكرياتهن مع الجد الأكبر؛ كيف كان يصلي خمس مرات على سجادة مزخرفة، وكيف كانت زوجته تمنع أبناءها من إثارة الفوضى أثناء صلاته، وكيف عمدتهم في الكنيسة سرا.

تبدأ غراسييلا بحثها من أرشيفات الهجرة والمهاجرين في بدايات القرن المنصرم، وسنعرف أن العرب هم ثالث أكبر فئة من المهاجرين في الأرجنتين بعد الجاليتين الإسبانية والإيطالية، لكن المعلومات التي تحصل عليها قليلة جدا، حينما تقول لموظف الهجرة إنه كان مسلما فيبرر شح المعلومات بأن الكنيسة الكاثوليكية كانت مسؤولة عن إدارة الهجرة في تلك الحقبة.

صندوق الرسائل

حين ينظر المشاهد العربي للرسائل المرسلة من الجد باللغة العربية لن يشعر بغربة بين مَشاهِد الفيلم الأولى التي قَدِمت من عالم آخر، وسيتفهم -ربما- قول اللبناني الذي ترجم لها الرسائل لماذا يرفض التملَّك في الأرجنتين كي لا يضطر للبقاء والموت في الأرجنتين.

كانت إحدى الرسائل المرسلة عام 1975 أكثر ما لفت نظر غراسييلا، إذ إنها مليئة بالأشواق والحنين من الجد لأبنائه، وسنعرف بها أن الجد قد بلغ من العمر 95 عاما، أي إنه استمر لمدة ثلاثين عاما يقوم بإرسال الرسائل للأرجنتين، دون أن يتلقى إجابة من أبنائه الذين تعسر عليهم تفهم سبب هجرته.

وفي الرسالة ذاتها ينقل الجد سلام زوجته الحاجة زينب لأبنائه الذين يخمنون أن تلك السيدة هي من كانت خطيبته قبل أن يهاجر من لبنان في عمر الـ18، لكن غراسييلا ستعرف لاحقا أن تلك الرواية لا أساس لها من الصحة حين تعلم أنه كان يكبرها بعشرين عاما، كما أنها أمسكت بطرف خيط وقد عرفت أنه من كفر كلا في الجنوب اللبناني.

ربما يكون الفيلم مكثفا بتلك اللحظة المؤثرة التي تهدي فيها غراسييلا قريبها حبيب رسالة من أمه، كانت قد أرسلتها إلى خالها في الأرجنتين، حبيب الذي لم يرَ والدته أبدا، لا يحتفظ الآن بشيء منها سوى هذه الرسالة التي وصلته بعد عقود من الطرف الآخر من العالم

رسائل أخرى لفتت انتباهها من ابنة أخته كريمة، كانت ترسلها من لبنان لخالها وفيها شحنة كبيرة من الحب والتقدير للخال المهاجر، عدا عن أخبار زواجها وإنجابها أربعة أبناء.

إلى كفر كلا
سينتقل فريق الفيلم للبنان، كي تحقق غراسييلا حلم جدتها بزيارة قبر الجد الأكبر، لنبدأ رحلة جديدة معها ينقلنا بها مخرج الفيلم خطوة خطوة إلى مسقط رأس جدها الذي لن تصل إليه بسهولة أبدا.

بمساعدة أصدقاء لبنانيين، تحاول غارسييلا التعرف على لبنان وتاريخه، تارة نستمع للتاريخ من أصدقائها اللبنانيين، وتارة أخرى نستمع لصوتها الذي اتخذ دور "الراوي" حينا، وحينا آخر شكل "مونولوج داخلي" مصحوبا بخلفية موسيقية شرقية لا تدهش المشاهد اللاتيني فقط بل حتى العربي الذي سيرى لبنان بعيون أرجنتينية.

قد نلحظ شيئا من التطويل في تلك المَشاهد التي تشهد انتقالها لموطنها "لبنان"، فالكاميرا ستصور تفاصيل الشوارع والمدن اللبنانية التي ستكون عادية للمُشاهد العربي، بينما تشكل عنصر جذب لنظيره اللاتيني.

ولأن قرية كفر كلا تقع على الحدود الإسرائيلية، فسيرصد الفيلم بعض التعقيدات المتعلقة باستخراج التصاريح من الجهات المعنية، للوصول لتلك المناطق الحدودية.

وبرفقة صديقها اللبناني أنطوان ستصل كفر كلا بعد استخراج التصاريح المطلوبة، ولن يكون من الصعب على أهل القرية معرفة الشخص الذي تسأل عنه، وتبدأ الخيوط بالتفكك بيسر وسلاسة حين تزور بيت المختار الذي يخبرها أن أباه اشتراه من جدها قبل أن ينتقل للعيش مع زوجته في بيت آخر، فتختار غراسييلا يقودها الحنين لأن تجلس على المقعد الذي اعتاد الجلوس عليه مشرفا على الشارع.

غراسييلا لدى زيارتها أحد المساجد في بيروت (الجزيرة)

عند قبر الجد
هناك ستعرف ربما دون أن تتفهم سبب إصرار الجد على العودة لكفر كلا على لسان المختار الذي أكد بلهجة حازمة أنه (الجد) أراد أن يدفن حين موته على الطريقة الإسلامية رافضا أن يغترب جسده الميت عن أرض لبنان من جديد.

ألبوم الصور والرسائل هما المفتاح الذي ستدخل به غراسييلا قلوب من تبقى لها من عائلة ومعارف في كفر كلا، فتزور أفرادا من عائلة زينب ونلاحظ على قسماتها شيئا من خيبة الأمل لعدم إنجاب جدها أبناء منها، لكنها لا تيأس من البحث فتسأل عن ابنة أخت جدها "كريمة" التي ستعرف أنها قتلت من قبل الإسرائيليين عام 1948، أي قبل عودة الجد للبنان لكنها تركت أربعة أبناء، بقي منهم حبيب على قيد الحياة.

لاحقا تلتقي حبيب وعائلته الممتدة (فهو جد الآن) وكل من تبقى من أقارب غراسييلا.

 ترصد لنا كاميرا الفيلم ردود الفعل المباشرة والعفوية لاستقبال العائلة غراسييلا وتجاوب الدم مع الدم، وربما يكون الفيلم مكثفا بتلك اللحظة المؤثرة التي تهدي فيها غراسييلا قريبها حبيب رسالة من كريمة (أم حبيب) إلى خالها في الأرجنتين. حبيب الذي لم يرَ والدته أبدا، ولا يحتفظ بشيء منها سوى هذه الرسالة التي وصلته بعد عقود من الطرف الآخر من العالم.

تبقى آخر مشاهد الفيلم من زيارة لقبر الجد مع عائلة حبيب، استكمالا لحكاية البحث عن الجذور التي بدأت من الأرجنتين وانتهت في مقبرة متواضعة بالجنوب اللبناني.

المصدر : الجزيرة