الحبيب ناصري

يمثل الراوي -من خلال كل تجلياته- في الفيلم التسجيلي رؤية دالة، في ضوئها تتجلى لنا طبيعة سلطته وخلفياتها، وكل ما تتميز به من أبعاد ورسائل وتوجيهات.

كيف يمكن فهم وتفسير وتحليل هذه السلطة التوجيهية؟ وهل هي ضرورية في الفيلم التسجيلي؟ أم هي بشكل أو بآخر تعكس توجهات معينة؟ وهل من الممكن التخلص منها بلغة الحكي المستمد من رمزية/دلالات الصورة؟ أم أن مجموعة من المجتمعات -ومنها مجتمعاتنا العربية- ما زالت محتاجة إلى وظيفة الراوي، لتقريب مضامين الفيلم التسجيلي؟

لقد أصبح صوت الراوي -في العديد من الأفلام التسجيلية- صوتا مألوفا لدى المتلقي، إذ من خلاله يتم اللجوء لشرح وتقديم ما "عجزت" عنه الصورة كلغة في مقدورها تمرير المحكي الفيلمي التسجيلي.

صوت أصبح العديد من المخرجين يلجؤون إليه "لتسهيل" مهامهم في توجيه المتلقي وفق ما هو مخطط له في منتوجهم الفيلمي التسجيلي، هنا يتم "التوسل" بأصوات تتميز بذبذبات صوتية مؤثرة، وموصلة للغرض المنشود.

هناك راو ملم بكل تفاصيل الفيلم، "متسلط" موجه وشارح لكل تفاصيله، راو حاضر معنا في كل مراحل تلقي الفيلم، هذا النوع/الصوت هو "ديكتاتوري" يريدنا فهم وتلقي صوته بالشكل الأحادي المراد

تخليص المتلقي
هل من الممكن "تخليص" المتلقي من هذه السلطة التوجيهية "الصانعة" لنموذج معين؟ أم هل المسألة ذات بعد إشكالي عميق يتعلق بطبيعة ومرجعية المتلقي الثقافية، لا سيما في مجتمعات ما زالت الأمية تنخر أجسادها، وبالأحرى التلقي الثقافي البصري الذي يتطلب مجهودات تربوية وفكرية وتكوينية؟

تشكل الكتابة بالصورة الوسيلة/الغاية الجوهرية في كل مادة فيلمية تسجيلية.

في ضوء هذه القاعدة الفنية الذهبية، من الممكن تصنيف ما نتلقاه من أفلام تسجيلية، بل هي معيار نقدي نوعي، من الممكن الاعتماد عليه في تقييم/تقويم هذا العمل الفني.

في ضوء ما هو متداول اليوم، ومن منطلق تقديم مادة تسجيلية متحكم فيها، يتم اللجوء إلى هذا الصوت الخارجي، لكي يروي لنا ما "عجزت" عنه ثقافة الصورة، ومن ثم نجد هذا التجلي، وبهذا الشكل التالي:

أولا: راو ملم بكل تفاصيل الفيلم، وهو راو "متسلط" موجه وشارح لكل تفاصيل الفيلم، راو حاضر معنا في كل مراحل تلقي الفيلم، بل مقدم ومدرك وسابق لنا في متابعتنا لما نشاهد. هذا النوع/الصوت هو "ديكتاتوري" يريدنا فهم وتلقي صوته بالشكل الأحادي المراد.

العديد من أفلامنا التسجيلية العربية وحتى غيرها تندرج ضمن هذه الخانة.

رؤية عاجزة
من الناحية الرمزية الدلالية، من الممكن تأطير هذا النوع من الرواة ضمن رؤية توجيهية تحكمية، "صانعة"، لما يريد مخرج الفيلم. هي رؤية حاجزة وعاجزة عن تركنا نتلقى عملا ما، وفق ما نمتلك من مرجعيات ثقافية وفنية، بل هي رؤية مولدة لمعنى واحد غير قابل لتوليد العديد من الدلالات منه، رؤية تولد "موت" المعنى المنفتح على الجميع والمحفز للتأويل والحق في إنتاج معان ودلالات جديدة.

هناك أفلام تسجيلية كتبت لتحقيق متعة التلقي والرغبة في تقاسم لحظات تتميز بالألم/الأمل. وهمّ صاحب العمل الوحيد أن يقول قوله بلغة الصورة، ويترك من يشاهد العمل يستخرج معانيه/دلالاته

صوت قاهر لأحلامنا وتلذذاتنا، غير مسعف لنا في الوصول لمتعة التلقي، بل هو صوت "مرعب"، يذكرنا بصوت من هو "فوق" موجه لأوامره، لكي تنفذ وبحرفية مطلقة نحو من هو "تحت".

إنه راو من الممكن نعته وتسميته بالراوي "المتسلط"، فهل هو امتداد رمزي لسلطوية ما يجري في المجتمع، منقولة هنا بلغة "فنية"؟

ثانيا: راو "محتشم"، يطل علينا بين الفينة والأخرى، لكي "يسهل" علينا الصعاب ومأمورية تلقي محتوى فيلم تسجيلي ما. راو من الممكن القول هو بين منزلتين جوهريتين: منزلة ترك الصورة ومكوناتها تحكي حكيها بنوع من الإبداعية، وسلطوية الراوي المتحدث عنها سالفا. أقصد هنا صوتا يطل علينا بين الفينة والأخرى مسايرا فهمنا، وكأننا أمام معلم يبسط ويشرح لنا. لكن وعلى الرغم من كونه أقل "عنفا" من الأول، لكن رائحة التوجيه والتحكم في بناء المعنى وفق ما يريد المخرج، تظل حاضرة.

العبرة هنا برمزية المنطلق/الرؤية، أي عدم ترك المتفرج يبني معناه، لكون صاحب العمل ينطلق -سواء في الحالة الأولى أو الثانية- من رؤية تضع المتفرج في خانة من يحتاج لمن يعينه على الفهم. هنا يغيب جدوى الصورة ودورها في مد المتفرج بحرية تلقي أي عمل فني، وفق ما بناه في وعيه/لاوعيه من تمثلات قابلة للتجريب والهدم وإعادة البناء. فمتى يتم التخلي عن رؤى مسبقة، تنظر للمتفرج على أنه ما زال بعيدا كل البعد عن البرج العالي الذي "يتحصن" فيه من يكتب ويخرج عملا فنيا ما؟

الراوي الغائب
ثالثا: راو غائب، حاضر في لغة الصورة. هنا تصبح الصورة هي وحدها من يروي ما يريد المخرج حكيه للمتلقي. نحن هنا أمام بناء مواطن بلغة فنية وجمالية، بناء من الممكن أن يسهم في كيفية تعلم كل شيء خارج سلطة الراوي "المتسلط" الموجه والمتحكم في المتلقي.

ضمن هذه الخانة نضع أفلاما تسجيلية كتبت لتحقيق متعة التلقي والرغبة في تقاسم لحظات تتميز بالألم/الأمل.
هل من الممكن "تخليص" المتلقي من هذه السلطة التوجيهية "الصانعة" لنموذج معين؟ أم هل المسألة هي ذات بعد إشكالي عميق يتعلق بطبيعة ومرجعية المتلقي الثقافية، لا سيما في مجتمعات ما زالت الأمية تنخر أجسادها؟

لم يتم التفكير في توجيه المتلقي نحو ما يريده صاحب العمل، بل همه الوحيد أن يقول قوله بلغة الصورة ويترك من يشاهد العمل يستخرج معانيه/دلالاته، ويتقاسمها وفق ما يمتلك من رؤى، إلخ.

صحيح، فمجتمعات مثل مجتمعاتنا العربية ما زالت الأمية الحرفية (من الحرف) تفعل فعلها فينا، وكيف يمكن أن نترك العربي وحده وجها لوجه أمام فيلم تسجيلي يبنى فنيا وجماليا بلغة الصورة؟

هنا أستحضر ما قاله أدونيس وغيره في مثل هذه "الورطة" الثقافية/السياسية العربية، التي نجد البعض يريدها حالة دائمة لنا، هنا قال أدونيس في ما معناه: مسؤولية تكوين وتثقيف المواطن هي مسؤولية من بيدهم هذا القرار، وليس مسؤولية الشاعر أو الفنان الذي يطلب منه ألا يقول إلا ما هو بسيط.

لعمري إن إبقاءنا في هذه الخانة من شأنه -وبلغة المفكر المغربي المرحوم المهدي المنجرة- أن يسهم في "تضبيع" المواطن.

المصدر : الجزيرة