ناجح حسن

يسرد الفيلم التسجيلي الطويل "بيتنا الذي لا نمشي إليه" لمخرجته الشابة دارين البو تفاصيل تلك المعاناة القاسية التي تعيشها أربع شقيقات لدى أسرة تقطن مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين في مدينة طرابلس اللبنانية‫.

اختارت البو لمعالجة أحداث فيلمها من خلال التعاطي مع حالات إنسانية في واقع لبيئة اجتماعية محافظة تقطن في مخيم للاجئين، كان شهد تحولات حادة على أكثر من صعيد سياسي واجتماعي، إذ يكشف الفيلم تعرّض الشقيقات الأربع لمرض غامض كان يصيبهن وهن في منتصف العقد الثاني من العمر، ليزداد وضعهن بؤسا لأنهن من ذوي الاحتياجات الخاصة، خصوصا عقب ما آلت إليه أوضاع المخيم جراء المعارك التي دارت بين الجيش اللبناني وجماعة "فتح الإسلام".

يعزز الفيلم نهجا سينمائيا أصيلا في نوعية التسجيلي، خاصة أنه يتأسس على أسلوبية متينة في التقاط فكرته ومن ثم معايشة مخرجته لواقع شخوصه، فضلا عن بحثها عن رؤى فكرية وجمالية مستمدة من ذاكرة فطنة وتفاصيل العيش اليومي للأسرة في حراكها داخل المخيم على نحو حميمي، وصولا لتلك القراءة البصرية الواعية على أرضية الهمّ الإنساني، وما يتفرع عنها من تحليل لوقائع وأحداث ومصائر لأناس عاديين.

يعزز الفيلم نهجا سينمائيا أصيلا في نوعية التسجيلي، خاصة أنه يتأسس على أسلوبية متينة في التقاط فكرته ومن ثم معايشة مخرجته لواقع شخوصه، فضلا عن بحثها عن رؤى فكرية وجمالية مستمدة من ذاكرة فطنة وتفاصيل العيش اليومي

دواخل أربعة
تلتقط كاميرا الفيلم شهادات شخوص الأسرة، لتستعير منها المخرجة إطلالة على دواخل الذات لدى الشقيقات الأربع، وهناك أيضا مسعى لسبر غور ذاكرة تفيض بسلوكيات وممارسات إسرائيل في حروبها ضد الفلسطينيين، حين استحوذت على أراضي ومدن وقرى فلسطينية منذ العام 1948 وما زالت، الأمر الذي ترك معاناة وألما وفقدان الأحبة جراء عمليات التشريد والتنكيل وهدم البيوت.

تقرأ المخرجة عذابات ونزعات شخوصها النسوية، وما هن عليه الآن بوصفهن من بقايا أسرة مدمرة نتيجة انكسار لأحلام أفرادها. كل ذلك يسري أمام عين المتلقي، فهن ينطلقن بشهاداتهن من باحة البيت المحدودة، التي هي أشبه بسجن مسيج ببقايا أنقاض البيوت المجاورة جراء الحرب التي استعرت بالمخيم.

مثل هذا المنحى التسجيلي البليغ الذي تخوض فيه المخرجة غمار تجربتها الجديدة بإمكاناتها الإنتاجية الفردية والبسيطة، ليست بمعزل عن تلك البدايات الأثيرة التي وصلت إليها نظريات وتيارات الفيلم التسجيلي الحديثة.

فالمخرجة تنهل بهذا الفيلم من موروث ذلك النوع من الأفلام التي دأبت السينما الفلسطينية على توثيقه إبان بواكير اشتغالاتها الأولى، لكنه هنا يجيء مفعما بحيوية تمتلك حرفة الابتكار وإيجاد الحلول الفنية في تقديم معالجات لواقع إنساني بمنأى عن تلك الأفلام التي تسقط في فخاخ التقريرية أو التي تتعمد توسل تعاطف المتلقي.

وراثة الذكريات
تغرف كاميرا البو من حراك فتياتها المثخنات بجراح المرض والبؤس باقتصاد وثيق الصلات بجذور المشكلة الفلسطينية التي قادت هذه العائلة للتهجير من وطنها الأصلي إلى مخيم في طرابلس شمال الساحل اللبناني، وهي المخرجة التي لم تعايش مرارة الاحتلال، لكنها عاشت برود الغربة عن وطنها الذي لم تره طيلة حياتها، إذ ورثت التعلق بفلسطين من دموع وذكريات وحكايات أفراد أسرتها.

لم تعايش المخرجة دارين البو مرارة الاحتلال، لكنها عاشت برود الغربة عن وطنها الذي لم تره طيلة حياتها، إذ ورثت التعلق بفلسطين من دموع وذكريات وحكايات أفراد أسرتها

رأت إلبو -التي درست إدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في الشارقة وشاركت بفيلمها الأول "هوية" في مسابقة أفلام من الإمارات ومهرجان قرطاج السينمائي- في فيلمها الثاني "بيتنا الذي لا نمشي إليه" مساحة واسعة من البوح والتعبير، فقد غامرت بإمكانات محدودة من أجل إنجاز هذا الفيلم بعد أن غادرت مكان إقامتها في أبو ظبي إلى أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وأن تقيم لدى عائلة بمخيم نهر البارد والاطلاع عن كثب على معاناة هذه العائلة.

من هنا حضرت قصة عائلة محمد حمدان المؤلفة من عشرة أشقاء، من بينهم ثماني بنات، بالإضافة إلى ولدين أحدهما توفي في سن المراهقة، وهناك أربع فتيات متزوجات وأربع عازبات وقعن فريسة المرض والإعاقة ولا يخرجن أبدا خارج البيت إلا للضرورة القصوى، وفي البيت ينهمكن بأعمال التنظيف والاعتناء بأمور المنزل اليومية.

طريق المأساة
محور أحداث الفيلم أن الشقيقات الأربع وقد ولدن بشكل طبيعي وعشن بشكل عادي حتى بلوغهن سن الخامسة والعشرين، ولكن بعد هذا العمر تبدأ مشاكل ضمور العضل ومشاكل أخرى بالمشي، وتبدأ كل واحدة منهن بالاستعانة بشيء لتمشي عليه، فهن لم يمرضن دفعة واحدة، بل الواحدة تلو الأخرى، وراجعن أطباء كثرا، وأجريت لهن عدة عمليات لكن دون جدوى.

والأغرب في الموضوع، أنه كلما كبرن أكثر ازدادت حالتهن سوءا، كما أن باقي شقيقاتهن المتزوجات طبيعيات لا يشكين شيئا، حيث أخبرهن عدد من الأطباء أنهن لو تزوجن لربما كان الحال أفضل في تحاشي الوقوع بفخاخ هذا المرض الغامض.

تمزج المخرجة بسلاسة ودون إفراط ما شهده المخيم من أحداث عصيبة انعكست على سائر القاطنين، حيث أسفرت المواجهات التي نشبت بين الجيش اللبناني وجماعة "فتح الإسلام" عن تدمير أغلبية بيوت المخيم وتشريد سكانه لمناطق مجاورة.

ببراعة، اختارت المخرجة نماذجها الإنسانية من قلب الحروب والمعاناة الشخصية وتركت لهم عنان البوح بقدر من العفوية الطبيعية، في حركتهن الدائمة بباحة البيت أو في تبيان حكاياتهن الشخصية بمذاق من الحقيقة في عالم مسيج بالعنف والجحود والنكران

ولتبيان ذلك تحاشت المخرجة اللجوء إلى تضمين الفيلم مواد فيلمية صورتها وكالات الأنباء العالمية، بل آثرت أن تقدم ذلك بشهادات لشخصيات الفيلم، ومدى تأثير ذلك على أوضاعهن، فهن يظهرن طيلة الفيلم جالسات على الكراسي، أو يقمن بتفقد باحة البيت الذي تحيط به أطلال البقية الباقية من بيوت المخيم في ظل حياة صعبة مثقلة بالمرض والفقر وأصداء الكارثة التي عملت على انفراط علاقاتهن بباقي أفراد الأسرة والجيران ممن قرروا الرحيل بعيدا عن المخيم عكس الشقيقات الأربع اللاتي تمسكن بالإقامة بمنزل الأسرة.

إشارات بليغة
من الأهمية بمكان الإشادة بقدرة الكاميرا على النفاذ بسلاسة إلى دواخل وأشواق الفتيات الأربع على نحو تنأى فيه المخرجة عن اقتحام مواقف تشير إلى الغضب واليأس والإحباط، بل تختار لحظات درامية مميزة، تنثر فيها طموحات أشبه بالبوح في لجة من تعابير الألم المضمر.

ببراعة، اختارت البو نماذجها الإنسانية من قلب الحروب والمعاناة الشخصية وتركت لهم عنان البوح بقدر من العفوية الطبيعية، في حركتهن الدائمة بباحة البيت أو في تبيان حكاياتهن الشخصية بمذاق من الحقيقة في عالم مسيج بالعنف والجحود والنكران.

تحبذ دارين أن يوصف فيلمها بأنه توثيق لحالة عامة ليست محصورة بهذه الأرواح الأربعة، لكنها تعي النظر في جذور الإشكالية التي ساهمت باستيلاد الأزمة تلو الأزمة، في اصرار عنيد على التمسك بأسلوبية تتيح لها النظر إلى سائر تكوينات المشهد الحياتي اليومي وبساطته وثباته، بغية طرح قضايا تدور حول مصائر أفراد وجماعات يدورون في بيئة هي بقايا أطلال مخيم داخل رحلة الشتات الفلسطيني.

المصدر : الجزيرة