قيس الزبيدي

يرصد كتاب "السينما التسجيلية في الوطن العربي" للباحث والمخرج محمود سامي عطا الله والذي أصدره المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة عام 2010، تاريخ هذه السينما ورموزها في مصر وفي الدول العربية.

والهدف من الكتاب -بحسب المؤلف- أن المؤرخين السينمائيين والنقاد العرب لا يهتمون بالسينما التسجيلية. ويجد لذلك أن رصده الشمولي لواقع السينما التسجيلية في الوطن العربي كان مغامرة صعبة في ظل قصور في المراجع! مع أنه صدر عربيا منذ عام 1973 حتى نهاية عام 2006 أكثر من 25 كتابا حول الفيلم التسجيلي، منها أكثر من عشرة مراجع صدرت في القاهرة، ثمانية منها عن وزارة الثقافة المصرية! وهذه بعض الأمثلة:

- السينما التسجيلية في مصر حتى آخر 1980، مرفت الأبياري ومنى بنداري، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1981.

الغريب تماما أن يُكرّس كتاب للسينما التسجيلية تحديدا ويُهمَّش فيه ذكر من لعبوا بجدارة دورا حقيقيا في ترسيخ تقاليد الفيلم التسجيلي كعطيات الأبنودي وعمر أميرالاي
- تجارب السينما التسجيلية المصرية، محمد عبد الله، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1984.
- تأملات في السينما التسجيلية، خميس خياطي، وزارة الثقافة، القاهرة، 1993.
- السينما التسجيلية المصرية في 75 عاما، عبد القادر التلمساني، وزارة الثقافة، القاهرة، 2000.
- فلسطين في السينما، قيس الزبيدي، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2006.

مفهوم تسجيلي بسيط
يتألف الكتاب من أبواب خمسة: السينما التسجيلية في التلفزيون، والتسجيلية في المشرق العربي، والسينما التسجيلية في المغرب العربي، ومن رموز السينما التسجيلية في الوطن العربي، وأفلام تسجيلية عربية أعجبتني.

وتصل صفحات الكتاب إلى 372 صفحة خصصت منها للسينما المصرية 164 صفحة، بينما خصصت 131 صفحة للسينما التسجيلية العربية في 17 دولة عربية.

إشكالية الكتاب أن مؤلفه ينطلق في جولته الواسعة من مفهوم بسيط للفيلم التسجيلي على أنه كل ما هو غير روائي، وبهذا نكتشف غياب أي منهج تحليلي يقوم على الاختيار والتفكيك، أي تقسيم مقولة ما - حسب ديكارت- إلى مكوناتها الممُكِنة ليصل الى تركيب يساعد على ترتيب أفكاره، لنصل معه إلى "استقراء" تلك المكونات التي تفسر جنس التسجيلي وأهمية وغنى أنواعه المختلفة. 

يتوقف "استقراء" المؤلف عند ما شاهده هو شخصيا من أفلام تسجيلية، ليتضح له وجود "اهتمامات" تجتمع على معالجة موضوعات دافعها الوطني أو السياسي والإعلامي، والثقافي أو التربوي! ويحددها كالتالي: مسيرة التنمية، القضية الفلسطينية، الآثار ومعالمها، التراث الشعبي، شؤون البيئة والحفاظ عليها.

ورغم أن تعدد الموضوعات -حسب المؤلف- يؤدي إلى تنوع الأفلام التسجيلية، وأن العبرة بأسلوب معالجة الموضوع وبمدى توافر عناصر الإبداع فيه، فإنه يغفل في مشهد التسجيلي العربي كل الأنواع  التي تطورت تاريخيا.

إغفال وتهميش
في مقدمة الباب الرابع ويشمل أكبر عدد من "رموز" السينما التسجيلية، يختار المؤلف من مصر 19 مخرجا ومن الدول العربية 20 مخرجا، ويغفل تماما ويتجاهل أهم من صنع أفلاما تسجيلية اجتماعية وسياسية. والغريب تماما أن يُكرَس كتاب للسينما التسجيلية تحديدا ثم يُهمَّش فيه ذكر من لعبوا بجدارة دورا حقيقيا في ترسيخ تقاليد الفيلم التسجيلي كعطيات الأبنودي وعمر أميرالاي.

تابعت عطيات الأبنودي مشوارها التسجيلي الأصيل منذ فيلمها الأول "حصاد الطين" (1971)، وفيلم "أغنية توحة العظيمة" (1972)، و"التقدم إلى العمق" (1979)، و"بحار العطش" (1980)، و"الأحلام الممكنة" (1983)، و"إيقاع الحياة" (1990)، و"أيام الديمقراطية" (1999)، و"صنع في مصر" (2006)، و"اللي باع واللي اشترى" (1992) وهو الفيلم الوحيد الذي أنتجه لها المركز القومي للسينما بعد تخرجها من معهد السينما بعشرين سنة! وقد تعرض لمضايقات شديدة لأنه تناول كارثة الأرض الزراعية التي استصلح الفلاحون المصريون قطعة منها امتدت على مسافة ستين كيلومترا من الإسماعيلية إلى السويس، والتي حولتها البرجوازية إلى فلل فاخرة لقضاء أوقات الراحة والاستجمام ومكان لعقد الصفقات.

كما أغفل مؤلف الكتاب المخرجَ السوري عمر أميرالاي، التسجيلي الأبرز في الوطن العربي، منذ فيلمه الأول "محاولة عن سد الفرات" (1970)، و"الحياة اليومية في قرية سورية" (1974)، و"الدجاج" (1977)، وانصرافه إلى إخراج "بورتريهات" حفلت برؤية نقدية وتساؤلات حول المجتمع والحركة السياسية من خلال مصير شخصيات اختارها، ومنها "يوم من أيام العنف العادي" عن صديقه الفرنسي ميشال سورا، وفيلم "هنالك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدث المرء عنها" عن سعد الله ونوس. وهو حقا كما قال عن نفسه ذات مرة "أحاول أن أكتشف بؤس الواقع وأساهم في تغييره".

نتيجة الأخطاء المبتكرة التي لا تحصى، تعني أن الكتاب كمرجع لا يعطي القارئ معلومة صحيحة عن ما يراد له أن يُوثَّق أو يُقوَّم!

أخطاء إملائية ومعرفية
قلما نجد كتابا مليئا بالأخطاء الطباعية والمعرفية التي تبدأ من الإهداء وتنتشر في الصفحات، فنحن نقرأ مثلا اسم المخرج الجزائري محمد الأخضر "حانينا"  بدلا من حامينا، ومعهد الأبديك الفرنسي بدل الأيدك، والأخوين لومبير بدل لوميير، و"معهد" التدريب الإذاعي والتلفزيوني التابع لاتحاد الإذاعات العربية بدل "مركز" التدريب الذي كان يكرس بعض الورشات الدراسية ولم يكن من بينها دورات دراسية حول السينما التسجيلية كما يؤكد المؤلف.

يسمي المؤلف فيلم "لحن لعدة فصول" لعدنان مدانات "نحن لكل الفصول"، وفيلم "خبر عن تل الزعتر" يسميه "خير من مثل الزعيم"، ويضع فيلم "بيروت اللقاء" الروائي المعروف لبرهان علوية في قائمة أفلامه التسجيلية، كذلك يفعل مع فيلم "السد" وعنوانه الصحيح "اليد" الذي هو أول فيلم روائي قصير أخرجه قاسم حول. ويسمي فيلم "الذاكرة الخصبة" لميشيل خليفي "الذاكرة المضنية"، أما فيلمه "معلول تحتفل بدمارها" فيسميه "معلومة تحتفل بدورها".

نتيجة هذه الأخطاء "المبتكرة" التي لا تحصى، تعني أن الكتاب كمرجع لا يعطي القارئ -أيا كان- معلومة صحيحة عن ما يراد له أن يُوثَّق أو يُقوَّم!

المصدر : الجزيرة