راشد عيسى

تبدو معضلة الحدود وكأنها الأصل في كل دراما، دائما هنالك حدود تُلقى عبثا في قلب المدن والقرى انصياعا لأوامر السياسة والحرب، تُلقى فينقسم الأهل والعائلات والمواسم والمياه، فتكون سببا في حروب قد تمتد بلا نهاية.

هذا ما حدث لمدينة رفح التي فرض البريطانيون عام 1906 ترسيم حدودها مع السلطنة العثمانية الحاكمة في الشام آنذاك، ترسيما لم يحسب حسابا للبشر، وإلا كان بإمكانه أن ينزاح قليلا إلى حدود المدينة، هكذا قسمَ رفح إلى اثنتين، فلسطينية ومصرية، وهنا بدأت مأساة المائة عام التالية.

مأساة المائة عام يلخصها الفيلم التسجيلي "من أي رفح أنت؟"، الذي عرضته قناة "الجزيرة" أخيرا. ورغم أنه يروي بوضوح تاريخ الحدود التي نُصبت في رفح منذ بداية القرن وحتى اختراع الأنفاق، فقد بدا مهتما أكثر لا بالتاريخ بل بالأثر الذي أحدثه ذلك في حياة الناس، سكان تلك المدينة، لذلك تكثر تفاصيل حكايات البشر على الجانبين.

جداران وأسلاك شائكة ونقاط مراقبة تفصل بين الرفحين المصرية والفلسطينية (الجزيرة)
السلك الشائك أولا
الإضاءات التاريخية واضحة لا لبس فيها، ولكنها لا تشغل سوى حيز بسيط من الفيلم. يذكّر الفيلم بأصل الحكاية في أوائل القرن، وكيف فُرض الخط الإداري الذي أصبح خطا سياسيا مع الوقت. بينما كانت الاتفاقية تنص على حرية التنقل للأفراد، إلى أن جاء تنفيذ اتفاقية "كامب ديفيد" عام 1982 وانسحاب الإسرائيليين من سيناء، ليجد سكان رفح الإسرائيليين ينصبون الأوتاد ويضعون الأسلاك الشائكة. إلى هنا سيبقى أهالي رفح في الجانبين يتحدث بعضهم إلى بعض عبر السلك الشائك بمسافة لا تزيد على الخمسين مترا.

لكن لقاء الأهالي عبر الأسلاك لم يستمر طويلا كما يروي الفيلم، ففي سنوات الانتفاضة الثانية عام 1989 عمد الاحتلال الاسرائيلي إلى إنشاء منطقة عازلة بعرض 400 متر، بينما أنشأ المصريون مساحة عازلة مماثلة، إلى جانب بناء جدار فولاذي، كل ذلك بالطبع على أنقاض منازل هدمت وهجر سكانها. هذا أضاف تعقيدات جديدة على الحدود وألغى أي إمكانية للتواصل بين الأهالي على الجانبين المصري والفلسطيني.

يشير الفيلم إلى مرتين فقط جرى فيهما هدم الجدار واجتياز السلك الشائك، الأولى بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة في 12 سبتمبر/أيلول 2005، حينها التقت العائلات الرفحاوية لعدة أيام. والثانية في 22 يناير/كانون الثاني 2008، وهنا تتحدث إحدى شخصيات الفيلم عن معجزة هدم السور بأكمله خلال ساعات، قبل أن تعود السلطات المصرية لتغلق الحدود وتبني جدارا إسمنتيا جديدا. هنا خاصة ستنشأ الأنفاق. لكن النفق ليس حلا، كما تقول إحدى الشخصيات، إذ قضى فيها من الجانب الفلسطيني وحده ما لا يقل عن 205 شهداء.
دفع 205 شبان من رفح الفلسطينية فقط حياتهم وهم يحفرون الأنفاق للتواصل مع ذويهم (الجزيرة) 

أنسنة الأنفاق
يأخذ الفيلم شخصياته أحيانا لتعيد تمثيل الرواية، كما فعلت عجوز وهي تمشي بمحاذاة السلك وتحكي كيف ودعت ابنتها الميتة المحمولة على نعش على الطرف المقابل وعلى مسافة. السيدة العجوز راحت تروي شعورها، وتردد الكلمات والأدعية التي قالتها حينذاك، وهي لم تخفِ أنها تشعر إلى الآن بأنها ليست متأكدة من موت ابنتها ما دامت لم تستطع أن تودعها عن قرب.

كذلك سيعرض الفيلم حكايات عن لحظة وضع الأسلاك والحواجز وما صنعته تلك اللحظة بعائلاتهم، فهذا بقي وحيدا في جهة بينما كل أهله في الجانب الآخر، وهذه كانت قد وضعت طفلها للتو ولم تستطع أمها أن تقوم برعايتها عن قرب، هي التي حاولت مرارا أن تعبر الأسلاك، وتلك لم تستطع أن تحضر عرس ابنها، في وقت كانت تسمع صوت الفرح عن بعد، بينما تتحسر ألا تكون بقربه. كذلك فإن البحارة والصيادين لهم حصتهم من ألم الحدود، أولئك الذين غالبا يعملون بقوت يومهم.

لكن ماذا عن قصص الزواج، الحب، الخطبة؟ ألا يعشق الناس في تلك البقعة من الأرض؟ ربما كان الفيلم خجولا بعض الشيء في اقتحام حكايا مجتمع محافظ، أو ربما تمنّع أهل رفح أنفسهم عن البوح بقصص حب على طرفي السلك. لذلك ربما يجد المشاهد في وقفة رئيس البلدية وزوجته قريبا من الأسلاك وفتح حديث الذكريات والإشارة إلى الأمكنة القديمة بعض السلوى. يقول المرء لنفسه لا شك أن وراء حكاية الزواج هذه قصة حب. حديث الذكريات وحده حلو وشجي، ولا بد من عين المخيلة هنا لترى قصة حب مضت، تماما مثلما يمكن تخيّل الأمكنة الغائبة التي كانت مكان الحاجز الإسمنتي.

video

نداءات الناس
تقع صور الفيلم بوضوح بين عالمين بصريين مختلفين، الحدود الفارغة، أراض ممتدة تخلو من البشر، وطرقات ودروب ترابية متعرجة. الدروب التي يصنعها الناس بالمشي، لا تُرسم سلفا بالاتفاقيات والخطط. ثم فجأة تجد أنك أمام اكتظاظ للباعة والأطفال والسيارات والعربات. لم يقصّر الفيلم في تقديم شريط صوتي جميل إلى جانب الصورة وجمالياتها، من نداءات الباعة، من الأطفال خصوصا، إلى صوت الأذان، وصولا إلى أقل الأصوات شأنا (كصوت بيضة تُكسر في مطبخ).

لكن الأجمل من الأصوات على الإطلاق هو نداءات الناس للناس عبر الحدود، كم يبدو مجرد نداء شاب لآخر والسلام عليه مؤثرا، إن عبارة من قبيل "أحمد، سلّم على أبوك" تطلق عبر الجهات كفيلة بأن تجعلنا نذرف الدمع، نعرف أننا أمام قرن كامل من العذابات والنداءات التي ضاعت قبل أن تصل.

الصورة أيضا تلتقط عناصر حيوية كثيرة وكثيفة التعبير: لعب الأطفال، الملابس المنشورة على حبال الغسيل، حقائب السفر. صور الأسلاك في كل لحظة، ومن ثم الأنفاق.

إن فيلما تسجيليا كهذا هو أحسن طريقة لأنسنة الأنفاق، لكي يفهم الناس أن الرفحاويين ابتدعوها من أجل الحياة لا من أجل الموت، لكي يفهم العالم أنه هو لا أهل غزة سبب الكارثة التي آلت إليها المدينة وحال الناس. وهو أيضا أحسن طريقة للقول إنه كلما جرى التضييق على البشر سيعودون من جديد لاختراع طرق للتواصل، بالأحرى لاختراع حياتهم من جديد.

المصدر : الجزيرة