عزة سلطان

تبقى القضية الفلسطينية بحقائقها وحكاياتها أكثر سحرية مما عرفه الأدب عن الواقعية السحرية، وكابوسية أكثر مما كتبه كافكا، تلك الحقيقة تؤكدها ما يصلنا نحن المشاهدين غير المشاركين في الحدث إلا بفعل الصمت والدعم الذي لا يتجاوز لحظات الاستماع والمشاهدة.

لكنّ ألما عميقا يجرح روح المشاهد الذي يجلس أمام فيلم "معركة الأمعاء الخاوية" للمخرج الفلسطيني أشرف مشهراوي، الفيلم الذي يتناول قضية الإضراب عن الطعام، تلك القشة الأخيرة التي يتمسك بها الأسرى الفلسطينيون في سجون المحتل، وربما تنجيهم أو تودي بأرواحهم لتزين السماء، فما جدوى الحياة بلا حرية؟
أيمن الشراونة مثل بجدارة تجربته في السجن والإضراب عن الطعام (الجزيرة)

البدايات القوية تدوم
يبدأ الفيلم (سبع وأربعون دقيقة ونصف الدقيقة) بمشاهد تمثيلية للأسير عند دخوله السجن، يتطوع أيمن الشراونة بأدائها.

تطول المشاهد التمثيلية، حتى يختلط الواقع بالتمثيل، يدعم الخلط أن البطل كان أسيرا بالفعل مرّ بدرب الألم الطويل فبدا ذلك على ملامحه حقيقيا وليس مصطنعا.

يتعمد مشهراوي الإطالة، فيختلط الألم بفعل المشاهدة، حتى يفيق المشاهد على بداية المقابلات، التي يقص فيها أيمن وهناء ذكرياتهما مع الأسر، ليتطور الحديث عن الإضراب عن الطعام كمحاولة أخيرة ولا بديل عنها لتحقيق مطالبهم.

جاءت إضاءة مشاهد المقابلات قاتمة لتترك توترا لدى المشاهد بعد مشاهد تمثيلية، لن تكون الأصعب والأكثر ألما في هذا الفيلم. لم تكن الإضاءة مجرد حالة تكرارية لضبط مواقع المقابلات بقدر ما جاءت عنصرا من عناصر الفيلم حيث تترك رسالة مكملة وأحيانا متممة لحكي الأسرى.

يفتح الأسرى مخزون عذاباتهم ليكشفوا عن وجه المحتل، متخذين من الألم صفة كونية يتفق معها وعليها كل الأعراق والجنسيات.

أجاد مشهراوي بحرفية رائعة تصوير مشاهد السجن ومعركة الأمعاء الخاوية واستطاع الأسير شراونة أن ينتصر لقضيته مرة أخرى عبر تقديمها بكامل قسوتها للمشاهد.

كسر الصمت
اختص أكثر من الثلث الأول من الفيلم بالمشاهد التمثيلية ومقابلات مع اثنين من الأسرى المفرج عنهم، وبداية ظهور محامين، وأطباء يتحدثون عن فكرة الإضراب عن الطعام ووقعها، ليتزايد عدد الضيوف خاصة المحامين في النصف الثاني من الفيلم.

يمكن تقبل ذلك في إطار السياق الذي اختاره المخرج لفيلمه حيث اعتمد على كسر صمت المشاهد وتوريطه في حالة ألم يتعرض لها الأسير، مستخدما في ذلك مشاهد تمثيلية لفترة طويلة نسبيا مقارنة بمساحة الاستخدام الشائعة في الأفلام التسجيلية.

لكن ما لا يمكن تفهمه هو الذهاب المفاجئ لأسرى أيرلنديين قاموا بالإضراب عن الطعام في العام 1981، فلم يوضح المخرج لماذا أيرلنديون؟ ولم يأت في سياق حديثهم عن تجربتهم فى الإضراب ما يشير لتجانس بينهم وبين الأسرى الفلسطينيين باستثناء خوض تجرية الإضراب، اللهم إلا جملة وحيدة تحدث بها أحد الأسرى فى نهاية مقابلته عن كون الفلسطينيين يعيشون ظروفا أصعب.

يزداد عدد الضيوف في النصف الثاني من الفيلم وتغلب عليهم صفة الدعم والدفاع عن حقوق الأسرى مع استمرار ظهور أيمن الشراونة وهناء شلبي الأسيرة الثانية.

هناء شلبي قضت بالسجن الإداري زمنا مريعا تروي بالفيلم بعض تفاصيله (الجزيرة)
تمرير الضعف
بات أيمن الشراونة أعظم من أي ممثل يمكن أن يؤدي دور أسير مضرب عن الطعام، فعلى الرغم من كونه عاش هذه الظروف في الواقع فإن إعادة تمثيلها لا يمكن إنجازه من قِبل أي شخص، فجاءت مشاهد إعادة تمثيل وقائع الإضراب عن الطعام ومراحله ممتازة دفعت المشاهد إلى الحافة وهو يتابع  أسيرا على وشك أن يفقد حياته، وما يعتري جسده من انهيار حتى إن الجلد يتساقط.

أجاد مشهراوي بحرفية رائعة تصوير هذه المشاهد، واستطاع شراونة ان ينتصر لقضيته مرة أخرى عبر تقديمها بكامل قسوتها للمشاهد.

هذا الألم المشبع داخل المشاهد، ربما يشوش عليه شريط الموسيقى الذي لم يكن ملائما طيلة الوقت، من ناحية ثانية يمكن التغاضي عن أن الغرافيك الذي ظهر على الشاشة لم يكن بمستوى الدقة التي تم بها تنفيذ مشاهد إعادة التمثيل، وأيضا المعلومات التي ظهرت على الشاشة خاصة فيما يخص السجون وأعداد الأسرى.

تلك المعلومات التي لم تظهر لوقت كاف، فلم تؤد الغرض منها حتى يتمكن المشاهد من معرفة بيانات عن الأسرى الفلسطينيين والسجون الإسرائيلية، كما أن المؤثرات الحركية التي ظهرت في الغرافيك بدت كذباب يشوش على الرؤية ويطير في فوضى وبلا هدف.

قد تبدو هذه الحركة مفهومة إنتاجيا في ظل ارتفاع تكلفة إعداد الغرافيك، خصوصا أن المستخدم في الفيلم من نوعية الأنفو غرافيك الذي يختص فقط بابراز معلومات وبيانات، لذا كانت منهكة للمشاهد تلك المؤثرات التي لم توصل للمشاهد أن ثمة غرافيكا ثلاثي الأبعاد قد أُعدّ.

كما أن خريطة فلسطين التي ظهرت عليها مواقع وأسماء السجون الإسرائيلية لم تكن واضحة أو تعطي انطباعا بكونها خريطة، وكان يفضل -من وجهة نظري- استخدام واحدة يعرفها المشاهد العربي عن فلسطين، حتى وإن بدت تقليدية وملونة، أو يمكن استخدامها في صيغة الأبيض والأسود.

video

نصر جزئي
حافظ أشرف مشهراوي على إضاءته القاتمة رغم أن معركة الأمعاء الخاوية أتت نتائجها، وتحققت مطالب الأسرى، ويمكن قراءة ذلك بأن هذا وإن بدا انتصارا هو نصر جزئي، فما زال بالسجون آلاف الأسرى وما زالت فلسطين تحت الاحتلال.

معركة الأمعاء الخاوية، فيلم لا يمكن التوقف عن الألم والحزن طيلة مشاهدته، تلك الحالة التي يمكن للفن والأدب فقط إيصالها للعالم، ونقل معاناة الأسير الفلسطيني ربما يخرج العالم من حيز الصمت.

تم عرض فيلم الأمعاء الخاوية في إطار حلقات برنامج "فلسطين تحت المجهر" في بدايات شهر يوليو/تموز 2014 بإنتاج قناة الجزيرة وتنفيذ من شركة ميديا تاون، وإخراج أشرف مشهراوي.

* الفيلم كاملا في الرابط أسفل النص.

المصدر : الجزيرة