عزة سلطان

"لا يمكن تخيل أشخاص محاصرين كل هذا لفترة طويلة أن يكونوا بهذه القوة، وأن يظهروا هذا الفرح والابتسام". هكذا قال أحد أعضاء "حركة غزة الحرة" وقد استقبلهم أهالي غزة في 23 أغسطس/آب عام 2008 بعد أن كسر قاربا صيد يونانيان تابعان لـ"غزة الحرة" الحصار البحري الإسرائيلي المفروض بشكل غير شرعي على القطاع.

كان ذلك أول مركب أجنبي يرسو على مرفأ غزة منذ 41 عاما، ودار فيلم "غزة إننا قادمون" حول هؤلاء الجنود المجهولين الذين قاموا بهذا العمل البطولي.

تبدأ أحداث الفيلم بأجواء أشبه بأفلام الحركة، حيث نجد أشخاصا يتلقون اتصالا ثم يتحركون، والجميع يقفون بالباب يطرقونه ويدخلون، بداية قوية وقصة فيلم مفعمة بالأمل.
كان ذلك أول مركب أجنبي يرسو على مرفأ غزة منذ 41 عاما (الجزيرة)

ذكريات
هؤلاء الأشخاص الأجانب بالأساس ربطتهم علاقة ذكريات بالمنطقة العربية، منهم من ولد وعاش بمصر ثم عاد إلى اليونان، وآخر كان والده يعمل في الأردن وسافر إليه في إحدى إجازات الصيف، ومنهم من كان يعمل بفلسطين، وواجه القصف كما يواجهه أصحاب الأرض، وبعضهم لا يعرفون عن غزة/فلسطين شيئا.

البداية القوية للفيلم والمختلفة نوعيا عن بدايات الأفلام الوثائقية المعتادة جاءت مؤهلة للمشاهد ليتابع المغامرة التي قامت بها نحو سبع شخصيات أساسية، وكثيرون متعاونون.

مقابلات متوازية ومتقاطعة بين الشخصيات، كل منهم يحكي عن دوافعه للقيام بهذه المغامرة، وتستمر المقابلات لتكشف عن المصاعب التي واجهها الفريق.

وثائقي بطعم الدراما
بدا البناء التقليدي للفيلم "غزة إننا قادمون" يسير في طريقه المعتاد، المقابلات المتوازية والمتقاطعة، للتعرف إلى الشخصيات، ثم بداية الفكرة، والتخطيط لها، يليها التنفيذ والصعوبات التي واجهت الفريق، وتتصاعد الأحداث بشكل درامي.

هناك سرية تحيط بالأمر وتكتم عالٍ، حيث التجارب السابقة تكشف أن إسرائيل لا تترك أحدا يقدم على هذه الفكرة، وأنها إما أن تهدد مالكي السفن، أو تصفي طاقم المركب، ومن ثم كان أعضاء الفريق الذي فكر في كسر الحصار البحري يتعاملون بسرية، واستطاعوا أن يحافظوا عليها حتى جهزوا المركبين، وبدؤوا في دعوة النشطاء وأعضاء حركة "غزة الحرة"، تلك الحركة التي أنشأها أجانب عام 2006.

سيتذكر من يتابع الفيلم دور هؤلاء المناضلين في رسم البسمة على وجوه أهل غزة.. البسمة التي حاول الحصار سنين طويلة قتلها

يحصل طاقم عمل المركبين على إذن رسمي بالسفر إلى غزة من قبرص، وهو الأمر الذي لم يحدث منذ عام 1967 ويبحر المركبان ليعرف ركابهما -وهم 44 ناشطا من 17 دولة- عزم إسرائيل على إجراء تدريبات عسكرية في المنطقة، ومنع الإسرائيليون مرور أي مركب إلى أجل غير مسمى.

القرار المصيري
وفي هذه العقدة تبلغ الدراما ذروتها وتنقطع الاتصالات بين طاقمي المركبين وأي شخص آخر، وهنا يكون على الأبطال/النشطاء الاجتماع واتخاذ قرار مصيري ودراسة كل الاحتمالات، ويتفق الجميع على استكمال الرحلة.

تفاصيل الفيلم وبناؤه أليق ببناء فيلم درامي عند النظر في تتابع الأحداث والذروة الدرامية، وذلك من الأمور المشوقة والداعمة في استكمال فعل المشاهدة، كما أن مخرجي الفيلم عمدا إلى التصوير الخارجي في أغلبية المشاهد، وجاء البحر شريكا في الحدث، فالتصوير في مرفأ، وحوض تصليح السفن وبالمركب، وعلى الشاطئ.

ومن روح العمل الوثائقي يستعين مخرجا الفيلم آفييروبولوس وكاريينديس برسوم غرافيك لخرائط توضح مسار الرحلة والنقاط المهمة في خط السير.

تم تصوير الفيلم بعد الرحلة بنحو عامين، مما دفع مخرجيه للتحدث عن مستقبل النشطاء الذين شاركوا في هذه المغامرة، فأوضحا أن أحد المشاركين يعيش الآن في غزة، وهذه الطريقة أيضا درامية وإلى حد ما غير متعارف عليها في الأفلام الوثائقية التي تتناول حدثا بعينه.

 
لحظة اقتراب مناضلي "حركة غزة الحرة" من بحر غزة (الجزيرة)
استقبال في غزة
اسم الفيلم مفعم بالمساندة، وتلك المشاهد في نهاية الفيلم من استقبال أهالي غزة المركبين وطاقميهما لا بد ستدفع بريقا من الدمع لدى المشاهد.

فهذه النوعية من الأفلام تؤكد أن فعل المقاومة مغروس داخل الإنسان، لذا تبذل كل قوى الاحتلال قصارى جهدها في حروب نفسية مع من تحتلهم، فتحاصرهم وتقلل من ظروف المعيشية الإنسانية، وتسعى جاهدة لمحو كل شعور بالكرامة. لكن أهل فلسطين لا يحدث معهم ذلك، فكل ما تفعله إسرائيل معهم لا يزيدهم سوى مقاومة، ولا ينتقص من أرواحهم التواقة للحرية.

"غزة إننا قادمون" فيلم عن قصة مقاومة ليست من الداخل، هي من الخارج من أجانب لا يخضعون لظروف احتلال، ولا يتعرضون لأسر يسعى فيه عدوهم لمحو إنسانيتهم، لكنهم داعمون غزة، وسيتذكر من يتابع الفيلم دور هؤلاء المناضلين في رسم البسمة على وجوه أهل غزة.. البسمة التي حاول الحصار سنين طويلة قتلها.

المصدر : الجزيرة