قيس الزبيدي

كتبت مقالات وكتب عديدة عن بداية السينما الفلسطينية في الأردن ولبنان في مرحلة الكفاح المسلح الفلسطيني وسينما الفصائل، ويبين برنامج الأفلام الذي قدم بلندن بين 16 و18 مايو/أيار الماضي كونية القضية الفلسطينية سينمائيا.

وإذ اقتصرت "السينما" -في فترة معينة- على فنانين ينتمون إلى اليسار العالمي، فقلما يوجد في العالم بلد لم ينجز فنانوه فيلما أو أكثر عن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

مؤسسة الفيلم الفلسطيني تحتفظ بأرشيف من ألفي عنوان لأفلام أنجزت في مختلف أنحاء العالم حول الصراع العربي-الإسرائيلي في فلسطين بدءا من أواخر القرن الـ19

وحول هذه السينما كتب الناقد الفرنسي سيرج لوبيرون عبارته الشهيرة "إن السينما جزء لا يتجزأ من الذاكرة الفلسطينية، ذاكرة انفجرت في الزمان والمكان شظايا صغيرة، قطعا من أفلام ومن صور وأصوات محفوظة في علب يصعب التعرف عليها، وضع عناوينها أناس آخرون. نتف من حكايات التقطتها أشرطة، تجب إعادة تجميعها وتصنيفها وحفظها، لأنها برهان على وجود له ماض وعلامة وهوية وتاريخ بحد ذاته".

السينما النضالية
عرفت الأفلام في هذه المرحلة بـ"سينما الثورة الفلسطينية"، والتي أطلق عليها مؤسسها المخرج مصطفى أبو علي تسمية "السينما النضالية"، وحصل بعد سبعة أعوام من تدوين عبارة لوبيرون أن كان مصير كل الأفلام الفلسطينية -منذ سنة 1969 إلى سنة 1982 أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان- الضياع والنسيان.

من هنا تأتي أهمية المهرجان السينمائي الدوري الذي أنشأته مؤسسة الفيلم الفلسطيني (palestinefilm.org) منذ عام 1998، والذي ما زال يشكل حدثا كبيرا في أوروبا، ويقدم لجماهير المملكة المتحدة فرصة لا مثيل لها للتفاعل مع الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي على الشاشة.

 كما أن المؤسسة تحتفظ بأرشيف يتضمن أكثر من ألفي عنوان لأفلام صنعت في جميع أنحاء العالم، بدءا من أواخر القرن الـ19، وتدير المؤسسة منذ عام ٢٠١١ عملية "بحث وحماية" لتحديد الأفلام النادرة والمُعرضة للخطر لتقوم بحفظها بوساطة "الرقمنة" والترجمة.

افتتحت المؤسسة بمناسبة ذكرى "النكبة" في صالة سينما "باربيكان" بلندن برنامجا سينمائيا تاريخيا تحت عنوان "العالم معنا"، أعقبه معرض ملصقات الثورة الفلسطينية من الأعوام 1968-1980 في مؤسسة ريتش ميكس (Richmix)، ونظمت فيه عروض لأكثر من ثلاثين فيلما على شاشات الكمبيوتر العديدة.

أفلام الافتتاح
كانت مشاركتي في الافتتاح بثلاثة أفلام ضمن أربعة أفلام: "بعيدا عن الوطن/1969"، و"شهادة الأطفال الفلسطينيين في زمن الحرب/1972"، والروائي القصير "الزيارة"/1970".

اقتصرت السينما في فترة معينة على فنانين ينتمون إلى اليسار العالمي، لكن قلما يوجد في العالم بلد لم ينجز فنانوه فيلما أو أكثر عن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي

وتناول الأول مظاهر حياة وآمال وشهادات عفوية لأطفال مخيم سبينة الواقع قرب دمشق، والثاني تناول شهادات أطفال مخيم البقعة في الأردن من خلال رسوماتهم التي تكشف مأساة واقعهم وتعبر عن مخاوفهم من العدوان الصهيوني، الذي يعرض حياتهم للخطر وتعرضهم للموت.

أما الروائي القصير "الزيارة" فهو فيلم ذو بنية شاعرية حول حادثة قتل في فلسطين المحتلة، ويتضمن قصائد لمحمود درويش، وتوفيق زياد، وسميح القاسم، ورسوما لنذير نبعة.

الفيلم الرابع "بالروح بالدم/1971" -وحدة أفلام فلسطين/حركة "فتح" (عمان)- يجسد بطولات المقاومة في التصدي والدفاع عن الثورة الفلسطينية، تصوير هاني جوهرية، وسلافة مرسال، ومطيع إبراهيم، وعمر مختار، ومصطفى أبو علي.

مائة وجه ليوم واحد
في اليوم الثاني عرض الفيلم الروائي "مائة وجه ليوم واحد" 1972 لكريستيان غازي -الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين (بيروت)/المؤسسة العامة للسينما (دمشق).

وكان الناقد سمير نصري كتب وقتئذ أن الفيلم يحكي عن التناقضات الطبقية والتحركات الجماهيرية، والفن والثورة، والمقاومة، واللامبالاة والحيرة والضياع، بأسلوب خاص بحيث يبدو في النهاية تقييما عاما للوضعين السياسي والاقتصادي في لبنان، معبرا بنظرة إجمالية عن التناقضات المتشابكة.

والفيلم الثاني التسجيلي القصير "دم ودموع" 1975، هو فيلم يوغسلافي يسلط الضوء على تطور حركة التحرير الفلسطينية وعلى بداية حركة الفدائيين سنة 1967.

يُعد فيلم "تل الزعتر" -حسب لجنة تحكيم مهرجان أفلام فلسطين- وثيقة تاريخية ذات قيمة ثورية وأساسية عالية تجعل المخيم رمزا لنضال الفلسطينيين وصمودهم

التضامن الأممي
وفي اليوم نفسه، عرضت ثلاثة أفلام تسجيلية طويلة تحت عنوان "التضامن الأممي مع الشعب الفلسطيني"، وهي "نحن الشعب الفلسطيني/1973" -الوحدة الثورية/الولايات المتحدة الأميركية- يتتبع نضال الشعب الفلسطيني ويدرس البرامج المتعددة لحركة التحرير الفلسطينية. و"الفلسطينيون"/1975 للمخرج الكبير الهولندي يوهان فان ديركويكين والذي عُدَّ فيلما تحليليا سياسيا شاملا للقضية الفلسطينية.

و"الفلسطينيون لهم حق في الحياة" -الأستوديو المركزي للأفلام التسجيلية (موسكو)، ويبين الأبعاد التاريخية للصراع العربي-الصهيوني، ويرصد بدايات سياسة الاستيطان. وعرض الفيلم التسجيلي الرابع "تل الزعتر" (1977) -مؤسسة السينما الفلسطينية (بيروت) وينيتيل فيلم (روما)، وهو من إخراج مصطفى أبو علي وبينو أدريانو وجان شمعون.

يُعد الفيلم -حسب لجنة تحكيم مهرجان أفلام فلسطين- وثيقة تاريخية ذات قيمة ثورية وأساسية عالية، تكرس مخيم تل الزعتر رمزا لنضال الفلسطينيين وصمودهم.

وفي اليوم الثالث، عرضت سبعة أفلام تسجيلية: "الحرب الخامسة" (1980) -فلسطين/ألمانيا الاتحادية- من إخراج سمير نمر ومونيكا ماورِر ومشاركة الممثلة الإنجليزية اليسارية فانيسا ريدغريف. ويصور الهجوم العسكري الإسرائيلي على لبنان عام 1978، والمقاومة الفلسطينية في لبنان، وأثناء تصوير الفيلم استشهد المصوران الفلسطينيان عمر مختار ومطيع إبراهيم.

و"فتح-فلسطين" (1970) -إنتاج ينيتيل فيلم (روما)- ويعرض بصورة شمولية الإنجازات التي حققتها الثورة الفلسطينية على الصعيد الاجتماعي والثقافي والصحي والسياسي والعسكري و"مسيرة العودة الطويلة". تصوير مخرجين إيطاليين يساريين هم إديلاردي وشيللينو وسورناغو، ويلقي الضوء على نظرية وممارسة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين التي تأسست عام 1969 كقوة ثورية تتبنى أيديولوجية الماركسية اللينينية.

أطفال بمخيم سبينة للاجئين الفلسطينيين بسوريا من فيلم "بعيدا عن الوطن" (الجزيرة)

ثلاثة أفلام لمصطفى أبو علي
 وفي الختام، عرضت ثلاثة أفلام لمصطفى أبو علي -إضافة إلى فيلم "بالروح بالدم"- أولها "الحق الفلسطيني" الأردن (1969) -قسم السينما والتصوير في وزارة الثقافة والإعلام الأردنية (عمان)، ويتناول حق الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم، و"عدوان صهيوني" (1972) -مؤسسة السينما الفلسطينية (بيروت)، ويسجل الغارات الجوية الإسرائيلية على المخيمات الفلسطينية في لبنان في سبتمبر/أيلول 1972، ويربطها بعملية ميونيخ كردة فعل وحشية على المقاومة.

أما فيلم "رؤى فلسطينية" للمخرج عدنان مدانات (1978) -مؤسسة السينما الفلسطينية (بيروت)، فيتحدث عن الفنان الشعبي الفطري المُقعد إبراهيم غنام ويعالج لوحاته شبه الفوتوغرافية التي رسمها عن الحياة في فلسطين قبيل الاحتلال. ويستعيد الفيلم من خلال اللوحات ذكرى فلسطين، وتحرض الأغاني التي كتبها ولحنها الرسام على الثورة واستعادة الأرض.

وتخللت العروض نقاشات مع بعض المدعوين من مخرجي الأفلام ومن أسهم فيها، كشفت كلها عن ثروة لأفلام تسجيلية مبكرة عالجت القضية الفلسطينية بعمق فكري سياسي وتاريخي.

المصدر : الجزيرة