مهند صلاحات-ستوكهولم

وقّعت منظمة التحرير الفلسطينية في سبتمبر/أيلول 1993 -بحضور الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون ووسط احتفاء دولي- في مدينة أوسلو النرويجية أول اتفاقية دولية مع إسرائيل، وشكّل هذا الاتفاق إعلان مبادئ يحكم العلاقة بين إسرائيل والكيان السياسي الفلسطيني الذي سيتشكل لاحقا ليصبح السلطة الوطنية الفلسطينية.

تركت اتفاقية أوسلو ثلاثة أنماط متنوعة من الحياة للفلسطينيين في الضفة الغربية ناتجة عن اختلاف شكل الجغرافيا السياسية التي فرضتها.

يأتي عائد نبعة ليطرح في فيلمه "مناطق ج" سؤال: كيف يبدو شكل الجزء الأكبر من الضفة اليوم بعد عشرين عاما من توقيع الاتفاق؟
كيف يبدو شكل الجزء الأكبر من الضفة بعد عشرين عاما من اتفاقية أوسلو؟ (الجزيرة)

التحدي
قد يبدو الموضوع -بحد ذاته- غير جديد، فهو الموضوع الفلسطيني اليومي والحدث الإخباري، وهذا ما يجعل الجديد الذي يمكن أن يقدمه المخرج هو التحدي.

منذ اللقطات الأولى لمقدمة الفيلم يهيئ المخرج مشاهده للذهاب إلى داخل مساحة درامية أو إلى مكانٍ غير مألوف في نهاية النفق المظلم، وإلى مشهدية عالية جدا توصل لنا الإحساس الحقيقي بالمكان.

يعرض المخرج بدايةً أولى أدواته التي لا يمكن أن تقدمها الصورة الإخبارية وهي المشهدية والصورة السينمائية المكثفة والمؤثرة بكاميرا متحركة تتبع الشخوص وترصد ملامح من حركتهم اليومية وتنقل مشاعرهم وانفعالاتهم، وتعرض المكان بتفاصيله، بلقطات طويلة.

الحياة في سطوعها
وإذا كان المخرج البريطاني بازيل رايت يرى أن الفيلم التسجيلي هو "الحياة في تجددها وسطوعها"، مما يعني أنه يرى أن الحقيقة أو الواقعية تتجلى في دهشة كامنة أو مخبأة في الواقع ذاته وأحداثه، فإن عايد نبعة ينطلق أيضا من تلك القاعدة في البحث عن تلك الدهشة في تفاصيل الواقع اليومي لحياة شريحة من الناس تعيش نمط حياة أقرب للتراجيديا السينمائية الخيالية، فيقدمه للمتلقي من خلال كشفه عن تلك التراجيديا الغرائبية.

وكأن المخرج يضعنا منذ المشهد الأول في نوع من التهجين بين السينمائية المتخيلة والتسجيلية الواقعية، ويختزل مشاعر وحياة سكان تلك القرى النائية المعزولة من خلال مشهد البداية، حيث أطفال فلسطينيون يركلون الكرة، لتتدحرج وتدخل منطقة لإطلاق النار لا تبعد خطوات عن بيوتهم، جاعلةً حياتهم في مرمى إطلاق النار للجنود الإسرائيليين.
اشتغل المخرج بشكل جيد على الشخصيات في طريقة انتقائها وتقديمها ومعايشتها، وأخرج الفيلم من قالبه الجامد التقريري ليمنحه الحياة

مشهد تراجيدي واقعي يحمل المتلقي إلى داخل منطقة الهدف، مستكملا رفع وتيرة مشهديته العالية بالكرسي المتحرك لرئيس مجلس قرية العقبة الذي أقعدته إصابة إسرائيلية مباشرة.

وهنا يتجلى وعي المخرج السينمائي والنقدي في استجلاء الحقيقة بالفيلم التسجيلي، ليبدو وكأنه وجد ضالته بقمة الاختزال التسجيلي للحدث من خلال المشهد الأول، مدعماً ذلك لاحقاً باستدعاء وقائع وأحداث عن طبيعة الموضوع والقصة من الأرشيف.

ما الجديد؟
لم يكن شكل الفيلم بعيدا عن شكل السلسلة الوثائقية التي عُرض ضمنها الفيلم منتصف العام الحالي 2014 على فضائية الجزيرة "فلسطين تحت المجهر"، حيث قدم فيه المخرج وثيقة مهمة جعلته يجتاز تحدي: ما الجديد الذي يمكن أن يُقدم؟
انطلق المخرج من أن الفيلم كلٌّ متكامل من حيث الشكل الفني والمضمون والشخصيات والبناء العام والصورة، ومنح المساحة لعناصر الفيلم حتى تكون كافية كوثيقة مصورة عن التحولات التي حدثت في المجتمع الفلسطيني منذ توقيع الاتفاق وحتى اليوم.

اشتغال المخرج وفريقه بشكل جيد على الشخصيات في طريقة انتقائها وتقديمها ومعايشتها، وإخراج الفيلم من قالبه الجامد التقريري ليمنحه الحياة ويجعله أقرب وأبسط للمشاهد بكل مستوياته المعرفية وفئاته عبر لجوئه للسرد المتصل بالشخصية وربطها بالشخصيات الأخرى، والانتقال بينهم دون أن يشعرنا بأنه انقطع عن السياق العام لحكاية المكان أو خرج عنه.

video
عزلة وإرهاب
يقدم الفيلم تصورا شاملا عن مجموعة من السكان المحليين الذين هجّرهم الاحتلال من قراهم ودمرها عام 1967 وعادوا إليها ليقيموا في مجتمعات فلسطينية صغيرة معزولة عن محيطها بالمعسكرات والمستوطنات، ولاحقا كانوا ضحايا اتفاقيات سياسية أيضا كانت بالنسبة لهم مجحفة، نسيتهم مُهمشين يعيشون في قرى متهالكة تمنع إسرائيل البناء فيها.

وهؤلاء الفلسطينيون أيضا في مرمى نيران التدريبات العسكرية الإسرائيلية في خيام تهزها الرياح، أو تجرفها السيول أو الجرافات الإسرائيلية.

واقع حياة فُرض على السكان الفلسطينيين، وأقل ما يمكن وصفه بالكارثي، وخريطة جيوسياسية فُرضت عليهم باتفاقيات دولية جعلت فكرة إقامة الدولة الفلسطينية في ظلّ الجغرافيا الحالية حلما مستحيلا.

هكذا يجيب المخرج عن سؤال فيلمه: كيف تبدو حياة الفلسطينيين الذين يعيشون اليوم في ما مساحته 61% من الضفة الغربية ضمن تصنيف "ج"؟ وكيف يبدو شكل الكيان السياسي الذي كان يفترض به أن يصبح دولة بعد خمس سنوات كما نص الاتفاق عام 1993 سميت حينها بالمرحلة الانتقالية؟

* يمكن للقارئ متابعة الفيلم كاملا في الرابط على اليسار.

المصدر : الجزيرة