راشد عيسى

"عبودية في اليمن" ليس في هذا العنوان أي نوع من المجاز، فما يقوله فيلم تسجيلي يحمل هذا الاسم إن اليمن -البلد الذي شهد واحدة من أضخم وأجمل ثورات الربيع العربي- ما زال إلى اليوم يقتفي أثر عادات بالية ومتوارثة من عهود الظلام، حيث أناس ولدتهم أمهاتهم أحرارا يستعبدون، ويورّثهم مالكوهم لأبناء يعتبرون أن من العار التفريط بعبيدهم.

هو أكثر من فيلم تسجيلي، إنه يستعيد مغامرة الصحافة والكاميرا التي تقتحم مناطق وعرة محفوفة بخطر الموت.

بدأت حكاية اكتشاف مسألة العبيد والجواري عام 2010 حين ظهرت في الصحف اليمنية قصة قناف بن سيارة، العبد الذي اشتراه أحدهم بغرض عتقه، وحين عرضه على قاض حرّر صك براءته وأقيل القاضي من منصبه، ربما لأنه بإصداره ذلك الصك يقرّ رسميا بوجود ظاهرة الاستعباد في اليمن، لكن تلك الإقالة لم تفلح في إنكار وتمويه الظاهرة.

الفيلم -وهو من إخراج أشرف المشهراوي وإعداد محمد صواف- في الوقت الذي يحكي فيه حكاية العبيد باليمن، يروي أيضا سيرته هو كفيلم: كيف اهتدى إلى الفكرة، ومن ثم الاتصالات والتحضيرات، وصولا لإسهاماته الجريئة، ليس فقط في تصوير الكشف عن تحرير عبيد، بل المشاركة في تحرير بعضهم.

الكاميرا هنا ليست على الحياد، لقد قررت منذ البدء أن تنحاز إلى هؤلاء المظلومين، وتلعب دور ناشط حقوقي وإنساني لا مجرد كاميرا.
 
video
بداية الطريق
يعرض الصحفي والناشط اليمني نجيب السعدي على فريق الفيلم فكرة البحث في الظاهرة، ويمضي في اتصالاته ومحاولاته ومراقبته أحوال المستعبدين، وإمكانية تحرير بعضهم، تتحمس قناة الجزيرة فتتبنى العمل.

يبدأ البحث أولا عن قناف بن سيارة أحد ضحايا العبودية المحرر، فتكون المفاجأة أن بن سيارة اختفت آثاره بعد أن اختار العودة إلى حياة العبودية، عندما لم يجد مصدر رزق له ولعائلته، ولم تصادفه أي جهة تدمجه كحرّ في المجتمع، حسب ما يقول الفيلم.

يلتقي فريق الفيلم أيضا الناشط عمر العمقي، فيروي كيف اكتشف مصادفة وجود ظاهرة العبيد في اليمن حين بات ليلته في بيت أحد الشيوخ، ولاحظ شابا يخدم المكان لا ينتمي بصلة قربى للعائلة، وحين سأله أكد ذلك الشاب أنه موجود هنا كعبد. وهنا أيضا سعى الناشط العمقي في سبيل الكشف عن هذه القضية الشائكة التي يلفها صمت الناس وإنكار الحكومة.

يكاد نسيم -أحد المحررين- يكون أحد الأبطال الأساسيين في الفيلم، فهو يتصدر مطلع الفيلم، ثم نراه في مفاصل أخرى، متحدثا أولا عن حياته وحياة أسرته كعبد، فيقول إنه جرى توريثهم بعد وفاة المالك، ومن لم يتمكن من الأبناء من أن يرث أرضا فقد ورث عبدا، هكذا أصبحت أسرة نسيم كل في طريق حسب المالك الجديد.
 
video
نسيم وعائلته
يصف نسيم حياة العبودية القاسية، ويصف حزنه على إخوته الذين ما زالوا يرزحون تحت نير العبودية. يتحدث نسيم أيضا عن الزواج في ظل الاستعباد، كيف بإمكان المالك أن يقود عبد إلى عبدة من دون إجراءات الزواج المعتادة، ليعود كل منهما بعد ذلك إلى مالكه من دون أن يكون لهما الحق بالاجتماع إلا بأمر المالك. أما الأولاد -في حال الإنجاب- فهم بالطبع عبيد بالولادة.

فريق الفيلم -إلى جانب الناشطين- يواصل سعيه لتحرير عبيد آخرين، ليصطدم بحقيقة امتلاك نواب ورجال حكومة متنفذين عبيدا، وهذا ما يعقد إجراءات تحرير العبيد والعثور على أماكن عيشهم. الكل ينكر، بما فيهم العبيد أنفسهم، لخوفهم من أسيادهم. الفريق يعمل بسرية وسط خوف من رجال القبائل المسلحين ومن المتنفذين الحكوميين.

يتوصل الفريق إلى تحرير شقيقين لنسيم. مع بعض الأسئلة لهما سنكتشف أن الجهل أبعد كثيرا مما نتوقع. يسأل أحدهما عن سنة ميلاده فيقول 1800، وحين يسأل الآخر يستنجد بأخيه كي يجيب.

هنا، عند هذا اللقاء سيسجل الفيلم أجمل لحظاته، ففي لحظة لقاء نسيم بأخويه المحررين سنسمع صوت بكائهم وكأنه يتحوّل إلى موسيقى تصويرية للفيلم، وما هي إلا لحظات ليختلي الإخوة بأنفسهم، ليكرر الفيلم تركيزه على ضحكاتهم، البريئة، الطفولية، الصافية إلى أبعد الحدود.

لحظات اللقاء بين الإخوة، لحظات الحرية كانت الأجمل في الفيلم، وقد قدمها بما يليق بها. يقول الأشقاء هنا كلاما يصعب أن تجده في سيناريو محضر سلفا، يقول نسيم كلمات من قبيل: "لن نفترق بعد اليوم، سنعمل لأنفسنا ومستقبلنا، سنُخرج الأسياد من داخلنا".

ويا لها من عبارة! لو لم يأت الفيلم بغيرها "سنخرج الأسياد من داخلنا" لكانت كفيلة بأن تسجل له كصيد ثمين، فما بالك بهذا الكنز من جمال الصورة (المصور حسن المشهراوي)، والموسيقى التصويرية، والجرأة التي تحسب لفريق الفيلم كما للناشطين.

 
video
حساسية رفيعة
هنا يمكن الإشارة أيضا إلى تلك الحساسية الرفيعة لدى منتجي الفيلم، الحساسية التي لا تلتفت إلى توليف قصة بوليسية، بقدر ما ترمي إلى الغوص في النفس وفي دقائق السلوك. يسأل الفريق طفلا كيف فهم أنه عبد، وأن ذاك سيده؟ وما الفرق بينه وبين طفل آخر حرّ؟ كذلك حين يسأل عبدا إن كان حقا يملك شعورا بأنه مملوك لسيد؟

في النهاية، يحمل الفيلم ما بين يديه من معلومات وصور ثم يتوجه بها إلى وزيرة حقوق الإنسان في الحكومة اليمنية حورية مشهور التي كانت من الناشطين في الثورة اليمنية. تقر مشهور بوجود الظاهرة ووجود متنفذين من ملاك العبيد، وتتهم حكومتها بالإنكار.
هنا يبدو الفيلم وكأنه قد بلّغ رسالته، أكمل مهمته كفيلم تسجيلي ووضع القضية على السكة التي ينبغي أن تسلك. لكن إحساس المشاهد يقول إن قضية الـ"عبودية في اليمن" قد بدأت الآن فقط، وهنا ينبغي أن يكون هناك من يوثق ويصور ويحكي ويحاكم.

لا يمكن للمشاهد أن يخرج من الفيلم من دون صدمة ما، إذ كيف يستوي أننا بتنا في العشرية الثانية من القرن الـ21 وهناك من يتحدث عن العبودية في مكان ما من العالم؟ ثم أين هي الأعمال الإبداعية من هذه الظواهر، هل حقا إن السينما والمسرح والرواية وسواها تعكس ما يجري حقا من حولنا؟

كل تلك الإبداعات والفنون، وربما الثورات العربية برمتها، قد تبقى على السطح إن لم تذهب إلى تلك المناطق المعتمة والمموهة من حياتنا. كيف يحدث أن ثورة كتلك التي حدثت في اليمن لا تلتفت إلى ظاهرة العبودية؟!

المصدر : الجزيرة