عزة سلطان

لا يمكن قراءة فيلم "موج" لمخرجه أحمد نور بمعزل عن السيموطيقا (العلامات)، فالفيلم -الذي جاء في سبعين دقيقة محملا بخليط من المشاعر- انتزع جائزة أحسن فيلم في مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية في دورته الـ17 التي انتهت في الثامن من يونيو/حزيران 2014.

غير أن المشاهدة الأولى لفيلم "موج" سوف تحمل تساؤلات مؤكدة عن المحتوى: فهل هو عن مدينة السويس، المدينة المصرية الواقعة على ضفاف قناة السويس؟ أم هو فيلم عن المخرج أحمد نور المواطن السويسي؟ أم هو عن ثورة 25 يناير 2011 وعن دور السويس فيها؟ وآراء أخرى سرعان ما تتغير في المشاهدة الثانية.

جاء الفيلم في مقدمتين وخمسة فصول، وحرص المخرج على أن يعنون كل فصل منها باسم ذي علاقة بالبحر: موجة من العمق، الدوامة، مد، جزر، الموجة الأخيرة.
يحمل الفيلم خطا دراميا ذاتيا عن حياة المخرج منذ الطفولة وتهجيره من مدينته (الجزيرة)

تأصيل الأسطورة
يسمي المخرج مدينة السويس مدينة الغربان، ويكشف لنا خلال تفاصيل الفيلم علاقة مدينة السويس بالغربان التي تصبح داخل الفيلم "ثيمة" سحرية.

يسعى نور لتغيير صورة الغراب الذهنية من نذير شؤم كما اعتاد المصريون رؤيته، إلى طائر يعكس بحركاته مراحل مختلفة في المدينة، ويمتد الحديث عن الغراب حتى يمكن اعتماده محورا من محاور الفيلم، صانعا حالة أسطورية عن مدينة يعكس هذا الطائر حالها.

لا يتوقف نور عند صناعة حالة أسطورية من حكايات الغراب، وإنما يُشير إلى نبوءة سمعها الرئيس الأسبق في مصر (حسني مبارك) بأن نهايته ستكون في السويس، وظل طيلة فترة حكمه لثلاثين عاما لا يدخلها، رغم أهمية المدينة.

يحمل الفيلم خطا دراميا ذاتيا عن حياة المخرج، ويصدر لنا انطباعا من الثواني الأولى أن الفيلم تجربة شخصية، حيث يبدأ بحكايات عن التهجير من مدينته، ثم يقص حكاياته عن ابنة أخته "حلا" أول حفيدة للأسرة، وميلادها الذي جاء متزامنا مع الثورة، وأخرى مرتبطة بطفولة المخرج وشبابه، وحكايات تخص والديه.

ستتوافر كل المقومات المؤكدة أن الفيلم يحكي عن مدينة السويس في ثورة 25 يناير. فلدينا مواد أرشيفية عن الثورة، ومشاهد تحمل قصصا عن الشهداء، وتعليقات عن الثورة حتى وإن كان من منطلقات ذاتية للمخرج.

أمسك المخرج  بتفاصيل الفيلم ومحتواه بشكل متميز، فاستخدام المواد الأرشيفية سواء المرتبطة بثورة 25 يناير أو حرب يونيو/حزيران 1967، جاء موظفا بشكل جيد

"سوناتا" شجية
لكن أحمد نور في فيلمه يقدم حالة أخرى، فالحديث عن الثورة جاء مثل "سوناتا" شجية داخل فيلم لا يمكن الإمساك بموضوعه بسهولة، حيث الحديث عن ثورة 25 يناير جاء مقطعا في الحديث عن مدينة السويس وارتباط تاريخها بالنضال الوطني منذ العدوان الثلاثي، بل امتد لأبعد من ذلك وهو يؤرخ لقسم شرطة الأربعين منذ أُنشئ عام 1935 دارا للأيتام، ثم تحوله إلى قسم شرطة في الخمسينيات.

ويبدو أن نور أمسك بتفاصيل الفيلم ومحتواه بشكل متميز، فاستخدام المواد الأرشيفية سواء المرتبطة بثورة 25 يناير أو حرب يونيو/حزيران 1967، جاء موظفا بشكل جيد، كما أن هذه اللقطات كانت بتأثيرات في الصورة، سواء جعل الصورة تبدو كأنها متآكلة أو قديمة للغاية (خاصة في لقطات ثورة 25 يناير) مع أنها مضت منذ وقت قصير.

الحديث عن الشهداء جاء وفق حالة أسطورية ينسجها المخرج طيلة الفيلم، فالحكايات جاءت على لسان الأهالي لا تكشف عن اسم الشهيد، ولا يمكن التعرف بسهولة على درجة قرابته للشخص الذي يحكي، وهو تأصيل آخر لمفهوم شاع عن السويس في كونها بلد الغريب، حيث تتماهى الهويات ويبقى الفرد مجردا من أي هوية، ولكنها تتداخل مع حكايات المدينة.

نحن بصدد فيلم متعدد التأويلات، وممتع حيث التماهي بين التسجيلي والدراما التي جاءت في تعليق شاعري للغاية

شريط الصوت
لا شك أن إعجاب لجنة تحكيم مهرجان الإسماعيلية بفيلم "موج"، كان موضوعيًا، ولا يملك من يشاهده إلا الانحياز له، فمكونات الفيلم وظفت بدقة متناهية وبحرفية عالية، فلا شيء يخضع للمصادفة، كل كلمة أو صورة أو صوت موظف بعناية داخل السياق.

ويمكن أن نطرح ثلاثة عناصر على سبيل المثال وليس الحصر: اعتنى صانع الفيلم بشريط الصوت ومؤثراته، وجعله قيمة مضافة، مستخدما لحنا خاصا مكونا من صوت الغربان والموج، وموظفا بشكل مدهش.

يأتي العنصر الثاني، وهو استخدام "الغرافيك" الذي لا يأتي من قبيل الرفاهية في صناعة الفيلم، فهو جزء حيوي، وقد أُعد "الغرافيك" بتقنية عالية، حتى إن أحد المشاهد التي تظهر فيها نافذة مفتوحة يحركها الهواء يختلط على المشاهد هل هي لقطة حقيقية أم "جرافيك".

هذا التماهي بين ما هو حقيقي وما هو مصنوع يمتد لعنصر لثالث، حيث نجد في الفيلم في أكثر من موضوع لقطات ثابتة لشخصيات تحدثت أو قدمها الفيلم، سيبدو الانطباع الأول والذي قد يصل إلى حد اليقين، أن هذه اللقطات فوتوغرافية، وقد قصد المخرج ذلك، لكن المدقق في الصورة يكتشف أنها لقطات فيديو، فسنجد في صورة تجمع أطفالا من مدينة السويس، وقفوا ثابتين لكن طفلا في الصورة يحرك إصبع يده، وفي لقطة أخرى، سلك في الخلفية يهتز، ولقطة ثالثة الهواء يحرك غطاء الرأس لإحدى السيدات... وهكذا.

مدينة السويس التي تصور حركات الغربان مراحل مختلفة فيها (الجزيرة)

قيمة مهمة
استمر أحمد نور في صناعة فيلمه قرابة ثلاث سنوات، وأنتجه بمشاركة عدة جهات.

وفي محاولات للبحث عن مثالب الفيلم، على اعتبار أن الانحياز التام في عالم النقد أمر نادر الحدوث في حالة النقد الموضوعي، لكن الفيلم يُشير إلى قيمة مهمة في صناعة السينما وهي الاجتهاد والدأب، حيث جاء شبه خال من مناطق ضعف يمكن محاسبة صانعه عليها، غير أن ثمة إحساسا بمناطق شابها التطويل، مثل لقطات ظهور الدوامة والمزج بينها وبين بعض أهالي السويس، لكن في المشاهدة المتأنية نجد أن زمنها هو دقيقة ونصف الدقيقة فقط.

نحن بصدد فيلم متعدد التأويلات، وممتع حيث التماهي بين التسجيلي والدراما التي جاءت في تعليق شاعري للغاية. ففي الفصل الثالث من الفيلم المعنون بالموجة الثالثة: مد، نسمع صوت المخرج يقول "الغربان لسه خايفة تعشش على الشجر، وكتير من الوشوش الطيبة رجعت لها ملامح قبل الثورة، ملامح الخوف والشك".

فيلم "موج" إخراج وسيناريو وكتابة تعليق وقراءة وإنتاج أحمد نور، فيلم يقدم صانع أفلام سيغير كثيرا في صناعة السينما التسجيلية، واستحق بجدارة جائزة أحسن فيلم.

المصدر : الجزيرة