ناجح حسن

قدمت المخرجة الإسبانية الشابة أندريا لامونت العرض الأول لفيلمها التسجيلي "من أعماقي"، وهو من نوع متوسط الطول (أربعون دقيقة) في العاصمة الأردنية عمّان، بحضور المخرجة والعديد من صناع الأفلام الأردنيين الشباب والمهتمين.

يدور موضوع الفيلم حول فتى في العاشرة من عمره، يقطن مع أسرته، يتمتع ببنية واضحة المعالم، قوية مليئة بالحيوية والعنفوان، إضافة إلى وسامة واضحة الملامح، لكن ثمة جرحا في نظرة أفراد أسرته إليه، تتسم بالحيرة والقلق، ويشوبها الغموض إلى درجة اليأس، نتيجة حالة عزلة تصيبه بين حين وآخر، حيث تجعله غير قادر على التفاعل مع أقرانه، إلا أنه يرى العالم بمنظور مختلف، حين فسّر الأطباء حالته بأنها نوع من اضطراب التوحد الذي يؤثر على بعض سلوكياته.

بحث استقصائي
تهيمن حالة الفتى على أحداث الفيلم، لتنطلق منها المخرجة إلى إجراء عملية بحث استقصائي لمعاناته ودواخله الخفية، في اتكاء على شهادات أطباء وخبراء متخصصين، وهو بصحبة والديه وجديه، أو لدى قيامه باللهو مع عدد من أقرانه من الجيران أو داخل المدرسة، وكل ذلك يسري بأداء حقيقي سلس عميق المشاعر.

تبرز في الفيلم قدرة اللغة السينمائية في التعبير عن أدق خلجات الفتى من خلال تفاصيل وزوايا وتكوينات حركات وأحاسيس لملامح الوجه وخاصة العيون
تغوص عدسة كاميرا المخرجة الإسبانية الشابة بجمالية مبتكرة في أعماق الفتى وهي تعاين بافتتان وصدق عوالمه ومعاناته في محطات ومواقف ناتجة عن سلوكياته العفوية، كاشفة عن رؤى ثرية في مخيلته الرحبة.

في الفيلم -الذي عُرض بحضور أخصائية تعنى بهذا النوع من الحالات الخاصة، التي جرى التعارف عليها بالمصطلح العلمي "متلازمة إسبرغر"- تتداخل العديد من المفردات الآتية من نظرة الفتى تجاه ما يحيط به من علاقات تجمعه في البيت بأفراد أسرته أو أساتذته وتلاميذ مدرسته، وكذلك الأطباء والممرضون الذين يسهرون على حالته الخاصة.

شغف تأكيد الذات
تنطلق المخرجة في الفيلم -الذي جاء عرضه ثمرة تعاون بين الهيئة الملكية للأفلام ومعهد ثيربانتس بعمان- بعد أن أمضت ثلاثة أعوام متواصلة في معايشة الفتى والوقوف على قدرته في الاندماج، عبر تبيان شغفه بوسائل التواصل الاجتماعي، لرغبة منه في أن يأخذ لذاته مكانة داخل بيئته وطموحه الدائم في الانعتاق والتحليق في فضاءات متخيلة.
تستعين المخرجة في العديد من محطات الفيلم بآراء الخبراء والمتخصصين في تقصي ما تطرحه دواخل شخصية الفتى الذي يتمتع بذكاء خارق

لا ترمي المخرجة من تصوير الفتى إلى البحث عن كآبة أو استدرار عطف وشفقة، بل هي تعمل على تصوير أصداء تلك المواقف النادرة والمفعمة بالدعابة أحيانا، على شخصية الفتى وروحه المرحة، لتعطي مثالا ونموذجا في تعاطي لغة الصورة مع الإحساس بالألم والمعاناة كجسر إلى إيصال رؤية بصرية بليغة تجاه الحياة.

وتستعين المخرجة في العديد من مواقف ومحطات الفيلم بآراء الخبراء والمتخصصين في تقصي ما تطرحه دواخل شخصية الفتى الذي يتمتع بذكاء خارق حول مفهومه لغموض الكون وغموضه على حدي الواقع والحلم، الأمر الذي يحول دون اندماجه في بيئته.

لغة متناغمة
قدرة اللغة السينمائية في التعبير عن أدق خلجات الفتى واضحة من خلال تفاصيل وزوايا وتكوينات حركات وأحاسيس لملامح الوجه وخاصة العيون، الآتية من نوافذ المنزل أو تلك التي تطل على لحظات تأمل الفتى في مياه بركة يستعد إلى القفز فيها لممارسة هواية السباحة، لتنطلق المخرجة إلى بث أطياف بصرية لافتة مستمدة من تموجات مياه بحر هادئ، وكأنها تغوص في مخيلته.

لا يرمي الفيلم من تصوير فتى مصاب بمتلازمة إسبرغر إلى البحث عن كآبة أو استدرار عطف وشفقة، بل يعمل على تصوير أصداء تلك المواقف النادرة والمفعمة بالدعابة أحيانا

كل ذلك يسري على إيقاعات موسيقية خافتة تتناغم وحالة الفتى، ثم تتوالى لقطات الكاميرا وهي تعانق فضاءات رحبة من مناخات الطبيعة والمكان، قبل أن تتوقف على لحظات من اللهو واللعب بمواد بسيطة، لتقاربها مع مخيلة الفتى وعزلته المطلقة كأنها تحاكي نماذج عملاقة تصور قدرة البشر في التواصل مع هذا الكون شاسع الأرجاء كما في صاروخ المحطة الفضائية وهو يقتحم عتمة الفضاء الخارجي.

بخطاب إنساني لا تستحوذ عليه الحوارات المجانية أو رصانة المصطلحات العلمية، تنجح المخرجة في تقديم فرجة بصرية تجاه شريحة مهمشة، ذات قدرات تمتلك مفردات الفتى أسئلتها البسيطة الخاصة في رحلة عناق بين واقع مثقل بالألم، ورهافة عواطف تزخر بالعزيمة والثبات، تتأسس على مخيلة افتراضية تصنع البهجة والحياة.

محنة العجز
ترى المخرجة أندريا لامونت في إطلاق عروض فيلمها فرصة لمناقشة مضمون الفيلم مع مهتمين وعشاق أفلام وخبراء متخصصين من ثقافة مغايرة، للوقوف على نظرتهم إزاء معالجتها دواخل أفراد وجدوا أنفسهم في محنة من العجز، مشيرة إلى أن الفيلم يسرد موضوع فتى وقع أسير حالة اضطراب تكاد تتشابه مع حالة التوحد المعروفة في أرجاء المعمورة.

يكمن اختيارها مثل هذا الموضوع في إحساسها الشديد تجاه هذه الفئة من الناس، والذين يمتلكون قدرات وأحلاما مشرعة على الخلق والتحفز والانطلاق من قيود وجدوا أنفسهم يعيشون فيها.

بدأت لامونت مسيرتها السينمائية منذ تسعة أعوام من خلال مشاهدة الأفلام في مكتبات الأفلام والنوادي السينمائية، ملتحمة مع قضايا الإنسان المعاصر التي تدور في مناخات الهجرة والكوارث والأمراض والحروب، إلا أنها تعمل على النفاذ بذهنية عينات من الأفراد في مواجهة تحديات مصيرية داخل أكثر من بيئة في إسبانيا ومليلة بالمغرب وفي بلدان أفريقية وصولا لبلدان في أميركا اللاتينية وآسيا البعيدة حتى تصل تخوم أستراليا.

نجحت أندريا لامونت في تقديم فرجة بصرية تعبر عن شريحة مهمشة في المجتمع (الجزيرة)

أشبه بالمغامرة
متابعتها كلاسيكيات الفن السابع دفعتها إلى تناول موضوع فيلم "من أعماقي" بأسلوب ينحاز إلى جماليات اللغة السينمائية، دون أن يطغى ذلك الإحساس على الناحية الفكرية لوظيفة الفيلم التسجيلي الأساسية.

وتفصح المخرجة عن أن الفيلم أشبه بالمغامرة حيث لا نص مكتوبا أصلا، لكنه معايشة وتدفق حر للأحاسيس والمشاعر.

اتكأت لامونت على فكرة التنقل بين الموضوع الذي يستند إلى أحداث الواقع والارتقاء به إلى صورة تستوجب الإلمام برؤى الإحساس البصري لتنوير المتلقي بمسألة تستعصي على تفسير العقل البشري، بمعزل عن "الفانتازيا" أو الخيال العلمي، لكن عبر بحث أصيل في مخيلة الشخوص وما تفيض به من تداعيات ورؤى ودلالات.

المصدر : الجزيرة