زكريا جابر

بين الكلام السينمائي النمطي عن الثورات في العالم العربي والتوثيق البدائي عبر أجهزة "الخليوي" أو الكاميرات الصغيرة، ونهضة التسجيلي الحربي وحتى في لبنان خلال السنوات العشر السابقة، ثمة من يهتم بالطبيعة وثوراتها.

نحن لا نعني هنا قناة ديسكفري، بل أحمد الطرابلسي (21 سنة) وهو طالب سينما لبناني في الجامعة اللبنانية (السنة الثالثة)، أنجز حتى الآن فيلمين، أحدهما روائي والآخر تسجيلي، كما يعمل على فيلم ثالث الآن، ويعمل أيضا في مجال التصوير والإخراج بشكلٍ حر وتعاقدي لفترات قصيرة.

ينتمي فيلم "خمسة" للمذهب التسجيلي الشاعري، لذلك يغيب الراوي أو المتكلم فاسحا المجال أمام الموسيقى والأصوات الطبيعية لتعبر عن ألسنة المشاهدين عن الراوي الخفي، كما كانت معظم لقطات الفيلم ثابتة

في فيلمه التسجيلي القصير بعنوان "خمسة" يتناول الطرابلسي موضوع الحياة الطبيعية من خلال عناصرها الخمسة، وقام بتصويره في عدّة مناطق طبيعية في لبنان.

يقول "في الآونة الأخيرة، ازداد الإنتاج الشبابي التسجيلي العربي بغزارة أكثر من الإنتاج الشبابي الروائي، وربما ننجح كمخرجين شباب في طرح وجهة نظرنا السياسية أو الاجتماعية في فيلم تسجيلي بطريقة أكثر صدقا، ونكون أقرب للواقع أكثر من الأفلام الروائية التي تتطلب تكاليف باهظة وجهدا مضاعفا، بالإضافة إلى ضعف الإمكانيات التقنية وقلة توافرها في بلادنا".

التسجيلي الصامت
بعد قراءات عديدة قام بها الطرابلسي في صيف العام الماضي حول الحضارات الشرق آسيوية وعاداتها وتقاليدها، يقول "موضوع عناصر الحياة كان لافتا، بالإضافة إلى تأثري بهذا النوع من التسجيلي الصامت، الذي يتيح إمكانية الكلام بالصورة فقط".

يتناول "خمسة" عناصر الحياة الخمسة استنادا إلى العلوم الهندية القديمة، وهي: الماء، والهواء، والأرض، والنار، والروح. وفيه محاولة لإظهار تأثير الإنسان على العناصر من جهة، وتأثير العناصر على الإنسان من جهة ثانية. بكلمة أخرى: كيف نتأثر ونؤثر في العناصر الطبيعية؟

يبرع الطرابلسي في استخدامه تقنيات التصوير، فيُظهر في الفيلم لقطات نوعية وخصوصا في مشاهد التصوير تحت الماء

وعن سبب عدم تصويره فيلما سياسيا في الفترة التي تمتلئ بالأفلام التسجيلية السياسية، يقول "لقد عدت إلى مفهوم سينمائي مفاده أن الفيلم التسجيلي يجب أن يكون صورة أولا، على عكس الأفلام التسجيلية السياسية الحالية عن الربيع العربي بمعالجة الديكتاتوريات التي صارت تمتلئ بمقاطع "كليشيهات" التعذيب والعنف والشهادات النمطية المتشابهة، بالإضافة إلى بعض المقابلات المصوّرة مع أحد المفكرين أو المحللين، وتكون نهايتها بمشهد كلاسيكي نمطي على البحر، أنا قررت عدم ترك البحر فقط خلفية لمشهد كلاسيكي."

يبرع الطرابلسي في استخدامه تقنيات التصوير، فيُظهر في الفيلم لقطاتٍ نوعية، وخصوصا في مشاهد التصوير تحت الماء ومن خلال حركة الكاميرا -على سبيل المثال- بالدخول إلى نقطة الماء المتسربة عن صخرة يمر فيها شلال، والتناغم "الهارموني" الفني بين الصوت النقي للنار المشتعلة وطقطقات الحطب الملتهب مع حركة النار بألوانها.

أما ما يجذب في أسلوب الطرابلسي في الفيلم فهو ثبات الكاميرا وتركيزها على مشهد ثابت كأن تصبح الخلفية للكادر أساسا أسلوبيا للمعالجة.

الطرابلسي تناول في فيلمه موضوع الحياة الطبيعية من خلال عناصرها الخمسة (الجزيرة)

تسجيلية شاعرية
وما يلفتنا أنه لا وجود للإنسان إلا في مشهد واحد، حيث نرى رجلا يسبح في البحر ولا يظهر منه سوى الجهة الأمامية من جسمه.

ينتمي فيلم "خمسة" للسينما التسجيلية الشاعرية، لذلك يغيب الراوي أو المتكلم فاسحا المجال أمام الموسيقى والأصوات الطبيعية لتعبر عن ألسنة المشاهدين عن الراوي الخفي، كما كانت معظم لقطات الفيلم ثابتة.

تكلفة الفيلم كانت بسيطة (سبعمائة دولار أميركي) نسبة لمضمون الفيلم التقني من تصميم صوت وصورة نقية، "لم يكن هناك من داعم لإنتاج الفيلم، فلا أحد يأخذ طالب السينما على محمل الجدّ، فقمت بجمع بعض المال بالعمل في مجال التصوير حتى تمكنت من إنتاج  فيلمي".

"خمسة" فيلم يتناول موضوع الأرض والإنسان دون وجوده في الكادر، يختصر، يختزل، ويترك الثرثرة الجميلة لخرير المياه مع صوت الهواء وحرارة الأرض والنار وغذاء العين والروح، لذلك نجح في إيصال رسالته، وهو الآن مرشح للعرض في عدةِ مهرجانات أفلام للشباب في العالم العربي.

المصدر : الجزيرة