راشد عيسى

لم يخطر ببال المخرج الفرنسي آكسيل سلفاتوري سينز -وكان أقام في دمشق لسنوات قبل اندلاع الثورة- أن فيلمه "شباب اليرموك"، الذي صوّر تماما على الحافة، في السنتين الأخيرتين قبل بدء الثورة (بدأ التصوير صيف 2009)، وانتهى مع الأشهر الأولى لها، سيتحول إلى وثيقة نادرة عن حياة مكان سيكتب له الاندثار، وذكريات وأحلام بشر ستأخذهم الحياة إلى مصائر عاجلة لم تكن في أي حسبان.

أراد الفيلم (حوالي سبعين دقيقة) أن يلقي بأسئلة تخصّ الشباب في المخيم، من قبيل ماذا يعني المخيم لهؤلاء الذين لم يعرفوا بلادهم الأصلية في فلسطين إلا في الروايات، شفوية على لسان الأجداد والآباء، أو مكتوبة في أدب الفلسطينيين وتراثهم، أو ربما على وجه الدقة أي علاقة تربط المخيم بتلك الأمكنة "الذهنية" التي تشتاق إليها تلك الأجيال الجديدة، وتعلق صورها على حيطان المخيم؟

حسان حسان قال في بداية الفيلم إنه لا يريد شيئا من الحياة سوى أن تمنحه أن يقدم كممثل عرضا مسرحيا واحدا في العام، لكن الحياة لم تعطه هذا "الدلال" مات تحت التعذيب في سجون النظام السوري

إنهم جزء من شباب اليرموك، من يجيب على أسئلة المخرج؟ صحيح أن بضعة شبان لا يمكنهم إلا أن يكونوا تمثيلا ناقصا لمخيم يضم ما لا يقلّ عن مائة وخمسين ألف لاجئ. لكن، وربما بالمصادفة، جاء التمثيل معبّرا بقوة بعد انتهاء الفيلم.

مصائر وحكايات
ففي الوقت الذي شهد الفيلم عرضه الأول كان المخيم قد دخل مرحلة الحصار، وتعرض لأشدّ قصف همجي بقذائف المدفعية وطائرات الميغ، كما هجر معظم سكانه.

صار أبطال الفيلم كلٌ إلى مصير، كلٌ إلى حكاية. بل إن ألمعهم في الفيلم كان ألمعهم في الغياب، ونعني الشهيد حسان حسان، الشاب الذي كان في الفيلم الأكثر واقعية والأكثر انشدادا لأرض المخيم.

انصاع حسان لخدمة العلم، الأمر الذي يرى فيه معظم الفلسطينيين في سوريا أمرا مهينا، لكنه طريق إجباري إلى المستقبل، ثم ظهر في النهاية وهو يعلن بدء بناء بيت على السطح، له ولزوجته التي ظهرت هي الأخرى في الفيلم إلى جانبه.

حسان قال في بداية الفيلم إنه لا يريد شيئا من الحياة سوى أن تمنحه أن يقدم كممثل عرضا مسرحيا واحدا في العام، لكن الحياة لم تعطه هذا "الدلال".

المكان سيتحول إلى دمار لا يوصف. لقد حولته مفارقات الزمن -وهو المكان القبيح- إلى جنة الذاكرة التي لن يستغني عنها الفلسطينيون

لقد اشتد الحصار على المخيم، وأراد الشاب أن يغادره فألقي القبض عليه من قوات النظام السوري (وهذا مصير لم يدركه الفيلم الفرنسي)، وبعد شهرين من اعتقاله أُعلن أنه قضى تحت تعذيب النظام المتوحش.

أحلام خائبة
أثار الفيلم إثر عرضه لأول مرة مشاعر حزينة، تأسف لأحلام الشباب الخائبة وانتظارهم الممض لحياتهم التي أرادوها بسيطة، لكنها بدت في النهاية كما لو أنها انتظار لبيضة ديك، أو انتظار لغودو الذي لا يأتي.

هكذا يبدو انتظارهم لجواز سفر يبدو الوصول إليه معجزة، لعل بعضهم نظر بعين الحسد لعلاء السعدي وهو يتسلم جواز السفر ثم ينجو بنفسه من المقلاة مسافرا إلى تشيلي لدراسة السينما، ليظهر من جديد عبر السكايب قائلا لأصدقائه إن الأسئلة هي الأسئلة، ويبدو أن لا جواب.

لكن أحدا لم يكن ليتوقع أن تصبح مشاهدة الفيلم في عروضه اللاحقة مأساوية إلى هذا الحدّ، فأبطال الفيلم جميعا ذهبوا إلى مصائر أقلّها التهجير، هذا قضى شهيدا، وذاك مجهول المصير، وتلك سافرت عبر البحر على متن المراكب الصدئة وخاضت أفظع تجربة يمكن للمرء أن يتعرض لها.

 المكان نفسه سيتحول إلى دمار لا يوصف. لقد حولته مفارقات الزمن -وهو المكان القبيح- إلى جنة الذاكرة التي لن يستغني عنها الفلسطينيون. لقد وجدوا فيها فجأة عالما لا يقلّ تأثيرا عن تلك القرى التي هجروا منها في البلاد.

لافت في الفيلم تواري المخرج الفرنسي الشاب أمام مشاهد وصور ثابتة تقريبا لفضاء المخيم، لقد أخذ صورة المخيم من السطح، لم يخض في شوارعه وزواريبه، اختار أن يصور السطوح وظلّ يتناوب بين قبح الأطباق اللاقطة والبناء العشوائي وبين سماء نظيفة تتلون بالغروب وبأسراب الحمام وصوت الأذان.

صور الفيلم دون موافقات رسمية سورية ولهذا كانت صور المخيم من الأسطح (الجزيرة)

من السطوح
قد يكون السبب وراء ذلك الخيار الضيق أن الفيلم صور من دون الموافقات الرسمية اللازمة، كما يوحي أحد مشاهد الفيلم، مما اضطره أن يبقى على السطح.

لكن المخرج توارى أكثر من اللازم إلى حد أن المشهد الأخير، حيث توجه أبطال الفيلم إلى الكاميرا بطريقة مسرحية وبلغة فصحى ليحددوا علاقتهم بالمخيم. في ذلك الوقت كان قد مضى شهور على اندلاع الثورة، ولم يعد مألوفا أن يبقى أجانب في البلاد، وإلا اعتبروا جواسيس، الأمر الذي أدى إلى سفر المخرج على ما يبدو.

على كل حال إن تواري المخرج وراء عمله هو واحد من محاسن الفيلم أيا كانت أسبابه. لقد بدا وكأنه ألقى بالكاميرا في أحضان هؤلاء الفتية، كما لو أنه يلقي الجمر، فصارت الكاميرا كاميرتهم، والأسئلة أسئلتهم.

كثيرا ما أعود إلى الفيلم، لا لشيء، إلا لأتفقّد بعض الذكريات، وكأن الفيلم بات مفكرة شخصية. أتفقد تلك الحاكورة خلف مخيم اليرموك، تلك التي ضمت على الدوام أجيالا من مشارب مختلفة من الفلسطينيين والسوريين. لطالما ضمت نقاشات وسهرات وكتبا وذكريات. وهي ظهرت في الفيلم تضم عددا من شباب اليرموك، وشيبه أيضا، في تواصل دافئ ومفتقد.

لن يحتاج المخرج الفرنسي لمن يقول له دع الكاميرا الخاصة بـ"شباب اليرموك" تسأل ما فعل الزمان بهم؟ لعله يكون قد بدأ الآن بالفعل.

المصدر : الجزيرة