غدير أبو سنينة-مناغوا

استحق فيلم "اللقطة الأخيرة" للمخرج الأرجنتيني أندريس هابيجر عن جدارة الجائزة الذهبية لمهرجان الجزيرة الدولي السادس للأفلام التسجيلية 2010، ذلك أنه استطاع جمع خيوط كثيرة وربطها بإحكام في حلقات تربط بين الماضي والحاضر، والضحية والمجرم، والمتهم والشهود، والعائلة والأصدقاء في بلدان مختلفة، هي تشيلي والأرجنتين والسويد.

يتناول الفيلم حكاية المصور الصحفي الأرجنتيني ليوناردو هينريكسن الذي خرج من غرفة فندقه بسانتياغو-تشيلي في 29 يونيو 1973، وتحديدا في شارع أغوستيناس حينما حاصرت الدبابات مبنى الرئاسة في ما عرف وقتها بـ"انقلاب الدبابات".

 كان الصحفي يعمل للتلفزيون السويدي حين سلط كاميرته على العسكريين الذين بدؤوا بإطلاق النار، لحظتها صاح بهم ألا يطلقوا النار لأنهم صحفيون، لكن أصوات الرصاص علت على صوته فقتلته عيناه اللتان رأتا، قُتل هيرنيكسن لأن له عينين، كما قالت شقيقته.

في تسعينيات القرن الماضي يبدأ البحث للتوصل إلى ذلك القاتل الذي ظهر علنا في كل الصور إلا أن أحدا لم يفكر بمحاكمته على جريمته

 تابع هينريكسن تصويره لتصبح تلك الصورة من أشهر اللقطات في العالم التي تمكنت من نقل وحشية الحكومات العسكرية الفاشية.

ضحية درجة ثانية
يمسك المخرج هابيجر بخيط رفيع حين يقدم لنا صحفيا قرر بعد 34 عاما أن يفتح ملف ثلاثين صحفيا قتلوا أو اختفوا خلال الحكم العسكري الفاشي في تشيلي الذي امتد من عام 1973 حتى 1989، لكن القضية الأهم التي يقرر أن يعيد نبشها من جديد هي قضية هينريكسن.

 وفي تسعينيات القرن الماضي يبدأ بحثه للتوصل لذلك القاتل الذي ظهر علنا في كل الصور إلا أن أحدا لم يفكر بمحاكمته على جريمته.

 يتوصل الصحفي التشيلي إرنستو كارمونا لاسم القاتل "إكتور إرنان بوستامنتي". ويصف كارمونا المصور الصحفي القتيل "بالضحية من الدرجة الثانية"، فالقضاء التشيلي اعتبر أن تلك الجرائم كانت بدافع العنف الذي وُلد في رحم تلك الحقبة الديكتاتورية.

كان على كارمونا أن يبلغ عائلة هينريكسن بما توصل إليه كي يتم التوجه للقضاء التشيلي لمحاكمة بوستامنتي.

في المحكمة نرى ابنة هينريكسن شابة عشرينية تحمل صور والدها وتجيب عن أسئلة الصحفيين باختصار "ليس لدي ما أطالب به سوى العدالة، العدالة فقط".

رحلة العدالة
وحتى نعرف ما آلت إليه أمور العدالة في تشيلي ينقلنا المخرج هابيجر للسويد حيث يلتقي زميلَيْ عمل مقربين من هينريكسن، هما الصحفيان جان ساندكيست وجونيلا مولين.

أما جاك الذي نراه شابا في تقارير إخبارية من تشيلي قبل ما يقرب من أربعين عاما فيبدأ باستحضار لقطات من ذاكرته، أهمها مقتل زميله المصور -الذي غطى معه 16 انقلابا في أميركا اللاتينية- على يديه.

 لقد حمل المخرج "اللقطة الأخيرة" معه أينما حل، وكان يطلع عليها أصدقاء هينريكسن في تحفيز للأفلام المحمضة في ذاكرتهم أن تخرج لقطاتها تباعا.

 ربما كان من أهم اللقطات -التي أبرزها المخرج لجاك- تلك التي يظهر فيها هينريكسن محمولا بين الأيدي وغارقا قميصه بالدم.
حمل المخرج "اللقطة الأخيرة" معه أينما حل وكان يطلع عليها أصدقاء هينريكسن في تحفيز للأفلام المحمضة في ذاكرتهم أن تخرج لقطاتها تباعا

 تظهر الدهشة والتأثر على وجه جاك الذي يقول مصدوما "لم أشاهد هذا في السابق أبدا، لم أره"، ويتابع أن الفرق بين تلك اللقطة وبين وصوله لرؤية جثمان صديقه وضمه لا يتعدى الثواني القليلة، فيما تذكر الزميلة السويدية بألم كيف أبعدها هينريكسن عن الطلقات ليتلقاها هو.

ساعة ونصف مدة الفيلم الوثائقي الطويل تأخذنا للبعد الإنساني والمهني في قضية الصحفي الذي لم ينسَ أصدقاؤه ذكراه بعد كل هذه السنين.

 للأرجنتين سننتقل كي نراهم يتحدثون عن عمله ومهنيته، بل إنهم يحتفظون بلوازمه وسترته التي كان يرتديها عند مقتله.

نلتقي أخته الرسامة التي صاغت حزنها وغيظها على أخيها وضياع حقه فنا من الريشات والألوان التي لم تنجح في تعويضها عن فقدانه شابا.

المخرج هابيجر وإلى يمينه الصحفي كارمونا أثناء إنجاز الفيلم  (الجزيرة)

القاتل حمامة بيضاء
الصحفي كارمونا يظهر بين مقاطع الفيلم كـ"لازمة"، فهو صاحب الفضل في بعث الحياة بالقضية الميتة.

 يصر كارمونا على الحديث مع أحد الشهود، وهو عسكري كانت إفادته كاذبة حين قال إنه لم يطلق النار أبدا مع أن الصور واضحة في تكذيب ما ادعاه.

 ليست مهمة تلك الأسئلة التي وجهها كارمونا له، بل الأهم إجابة العسكري التي لا تختلف عن إجابات كل العسكر الذين قتلوا مدنيين في أي مكان في العالم وعلى اختلاف بلدانهم وأديانهم "كانت أوامر، كنا ننفذ الأوامر، لم أقتل المدنيين.. الدبابة كانت تطلق النار وليس نحن"، يخرج كارمونا من بيته هازئا من إجابته، ويقول "إنهم حمامات بيضاء، إنهم أناس طيبون، لم يفعلوا شيئا".

تستمر محاولات كارمونا بالوصول للقاتل بوستامنتي وينجح في الحصول على عنوانه، غير متردد بمواجهته.

 يعلم من جيرانه أنه لا يغادر المنزل، وأنهم لا يرونه إلا نادرا، يحاول الحديث مع الزوجه إلا أنها تصده تماما.

لن يتمكن كارمونا ولا المخرج من ربط صورة العسكري القديم بالجديد، الشاب بالعجوز، ببساطة لأن ذلك البيت سيظل مغلقا، لكن هذا لا يعني أنه لن يواجه الظلم.

 اللقطة الأخيرة بالفيلم ستكون في الشارع الذي يسكنه بوستامنتي، حيث يخرج الناس رافعين شعار "إن لم تكن هناك عدالة فهناك (فونا)". و"فونا" في تشيلي تعني الذهاب لبيوت العسكريين القدامى الذين لم يحاكمهم القضاء، ورفع لافتات تندد بجرائمهم وتعليق ملصقات على جدران منازلهم والتجمهر أمامها إشارة إلى أن العدالة لا تسكن المحاكم وحسب، وأن اليأس لن يطال أصحاب الحق.

المصدر : الجزيرة