عزة سلطان

لصناعة فيلم عن مدينة تم احتلالها، يكون الطرح الأكثر شيوعا هو عرض الآثار التي نتجت عن هذا الاحتلال الذي خرب ودمر، ولا مانع من الاستعانة بمشاهد بها عنف أو دمار لشحذ الهمة، وشحذ طاقات الكراهية عند المشاهد ضد العدو والمستعمر.

هذا أمر بسيط مهما كانت الصعوبات التي يمكن أن يتعرض لها طاقم التصوير، لكننا في فيلم "اغتيال مدينة" للمخرج رامز قزموز، نكون إزاء طريقة مختلفة في معالجة هذا النوع من القضايا، وكذلك حين يكون الحديث عن مدينة يافا نحن أيضا بصدد التعرف إلى مدينة عصية على النسيان، وعلى المستعمر.

يافا أقدم المدن الفلسطينية، أسسها الكنعانيون في الألف الرابع قبل الميلاد، وهي ذات جذور تاريخية، امتدت لتحفر اسمها وسماتها في حضارات عديدة. وقد ورد ذكر اسمها لدى الفراعنة، وفي التوراة وفي نقوش لاشمونازار، وخلال قرون من الزمن كانت يافا مدينة ذات طابع خاص في التاريخ القديم.

يافا كانت عاصمة ثقافية لفلسطين وبرزت فيها الصحافة والموسيقى والمسرح (الجزيرة)
عاصمة ثقافية
أما يافا المعاصرة فاضطلعت بدور العاصمة الثقافية لفلسطين، وتأهلت بقوة لتكون مركزا للفنون والتجارة والصناعة، وظلت تعج بالبهجة والفن والريادة في مناحي الحياة حتى النكبة عام 1948 حين قرر المحتل الإسرائيلي تهويدها وضمها إلى تل أبيب تحت اسم بلدية تل أبيب-يافا.

وعلى طريقة الكتابة للأطفال كما يوصي بها اختصاصي علم نفس الطفل أن نذكر القبح عن طريق الجمال، فلا نقول نكره لكن نقول لا نحب، وهذه الطريقة ذات بعد نفسي أعمق.

ولصناعة فيلم عن يافا لم يلجأ المخرج رامز قزموز للكارثة التي وقعت على المدينة، وهي الطريقة المتعارف عليها، وشائعة الاستخدام بين صُناع الأفلام.

وعلى ما تكتسيه المأساة من ضرورة ترسيخها، قرر المخرج ورمزي حكيم صاحب الفكرة جعل الحنين المادة الخصبة لصناعة الفيلم.

عُرض فيلم "اغتيال مدينة" للمخرج رامز قزموز خلال مايو/أيار 2014 على شاشة قناة الجزيرة ضمن حلقات برنامج "فلسطين تحت المجهر"، عبر ذكريات عدد من أهالي مدينة يافا الذين ولدوا وعاشوا فيها قبل النكبة.

إنهم يتحدثون عن كل شيء: عن الشوارع والأسواق، عن المسرح والسينما، عن ذكريات طفولتهم، عن المصانع وفترات الصبا.

ذاكرة حية
تأتي الذكريات مجدولة بمادة أرشيفية اختيرت بعناية فائقة تبرز جمال المدينة وتوضح عظمة الأثر الذي تتركه الصورة بلون "السيبيا" مع استرسال الذكريات، مطعمة بموسيقى لخلق حالة حنين داخل كل من لم يعرف يافا.

على ما تكتسيه المأساة من ضرورة ترسيخها، قرر المخرج ورمزي حكيم صاحب الفكرة جعل الحنين المادة الخصبة لصناعة الفيلم

هذه الطريقة في العمل أعمق أثرا من الاستعانة بمشاهد الحروب والدمار التي اعتاد عليها المشاهد العربي، بل اعتاد عليها الإنسان جراء ما يمر بالعالم من تفجيرات وحروب محدودة أو ممتدة عبر الأرض.

يؤكد قزموز عبر فيلمه أن المشاعر الإيجابية تبقى لفترة أطول، فالتأكيد على المحبة والبحث عن الجمال يدفع المشاهد لمراجعة المشهد الحالي، واكتشاف التحولات الثقافية والجغرافية التي حدثت للمدينة.

إلى جانب أهالي مدينة يافا، كنا مع عدد من الباحثين يؤصلون بعدا علميا، لكن حكايات الأهالي كانت أوقع وأعمق أثرا من تعقيبات الباحثين التي جاءت لتتناول تفاصيل المدينة واضطلاعها بمسؤولية الثقافة الفلسطينية والعربية.

في الدقيقة 23:02 يقول الضيف إن هناك من يقول إن كل تاريخ السينما العربية بدأ من يافا، وهي عبارة تحتاج إلى تدقيق علمي، لكن هذا لا يقلل من حضور المدينة التي كانت مركز استقطاب محلي وعربي، ومن ذلك صناعة السينما عبر إنشاء مؤسسة سينمائية، وأيضا عبر نشاط الدور العديدة، دون أن نغفل أن فلسطين قدمت مبكرا علمين شهيرين في السينما العربية وهما الأخوان لاما.

يعيدنا أرشيف يافا إلى نشاط اقتصادي لمدينة بحرية مفتوحة كان يؤمها العرب للعمل فيها، مثلما كانت ترتحل إليها العمالة الفلسطينية للعمل في مصانعها كمصنع سكب الحديد، ومينائها النشط الذي كانت تصدر منه المحاصيل الزراعية وفي مقدمتها برتقال يافا الشهير.

بؤرة النشاط
وبوصفها حاضرة ثقافية احتلت يافا بؤرة النشاط الفلسطيني الذي عرف قبل النكبة أكثر من مائتي صحيفة ومجلة، مثلما كانت تنشط فيها حركة مسرحية وموسيقية.

video

خمسون دقيقة من الحكي والذكريات باستثناء بضع دقائق تم فيها تناول مدينة الناصرة لتشابه الحال، تستفيد استفادة حقيقية من تجارب الحياة.

صُناع الفيلم لم يعتمدوا الطرق الشائعة في الحديث عن تهجير الأهل، ولا استدعوا مشاعر العداء في قلوب المشاهدين، بل إنه خلا من لقطات العنف، وجاءت لقطات التهجير بعد حديث ودود عن الذكريات، وهي محاولة للتماس مع التاريخ الشخصي للمشاهد ومع تعميم القضية بوصفها شأنا شخصيا.

قزموز أوقد بفيلمه مشاعر الحب والأسى، وأعاد كل الإرث الإنساني والعاطفي، وجاءت يافا كما عرفها سكانها وجيرانها مفعمة بالحياة، تاركا العنوان "اغتيال المدينة" وجها لوجه أمام الفردوس الذي كان، كي يوقف المحتل عند دور صغير متمثل في سرقة المكان، ومهزوما أمام الذاكرة والضمير.

المصدر : الجزيرة