مهند صلاحات- ستوكهولم

ماذا يمكن أن يفعل مزارع بسيط في قرية صغيرة مهمشة في بلدٍ مُحتَل إذا ما امتلك كاميرا؟ هل يمكن أن يصبحَ صانعَ أفلامٍ يحمل وثيقة تسجيلية مصورة إلى أهم مهرجانات السينما العالمية؟

جواب هذا السؤال نجده من خلال الفيلم التسجيلي "خمس كاميرات محطمة"، الذي قدّم فيه المخرج الفلسطيني الشاب عماد برناط -حين التقى صانع الأفلام وناشط السلام اليساري الإسرائيلي جاي دافيدي- فيلما تسجيليا طويلا من تسعين دقيقة، نال جائزة السينما العالمية للإخراج في مهرجان صندانس السينمائي 2012، وعدة جوائز أخرى في مهرجانات عالمية، كما رُشح لجائزة أفضل فيلم وثائقي في جوائز الأوسكار عام 2013.

الفيلم -الذي أثار جدلا حول هويته كفيلم فلسطيني أو إسرائيلي من جهة مخرجيه أو جهات الإنتاج والدعم "فرنسي-إسرائيلي"- يعتمد شكلا بسيطا في عرض حكايته عبر تبنيه تقنية السرد المتصل للأحداث من خلال الراوي الرئيسي.

يسرد المخرج عماد برناط بترتيب زماني متصل "كرونولوجي" من خلال تجربته الشخصية في قريته بلعين على مسافة 12 كيلومترا غرب مدينة رام الله، أحداث الفيلم كمصور وموثق لحياة عماد نفسه وعائلته، وفي المقابل تصوير وتوثيق منجزات المقاومة الشعبية السلمية لمقاومة جدار الفصل العنصري الإسرائيلي في قريته التي بُني الجدار العازل على ما يزيد على 50% من أراضيها.

video

الكاميرا الأولى
تدور أحداث الفيلم خلال ست سنوات من تاريخ إنتاجه عام 2011، خسر خلالها عماد برناط كاميراته الخمس والتي بدأت بخسارته لأول كاميرا صغيرة حصل عليها عام 2005 مع ولادة ابنه الرابع جبريل، حيث استخدمها ليوثق ولادة ابنه وطفولته.

لكن هذه الكاميرا العائلية الصغيرة سرعان ما تحولت إلى جزء من وثيقة مصورة لوقائع واحدة من الانتفاضات الشعبية الفلسطينية التي استقطبت المتضامنين معها من نشطاء السلام الإسرائيليين والدوليين، عندما شرعت إسرائيل في بناء جدار الفصل العنصري.

بالتزامن مع عرض حياة الطفل جبريل وأسرته وبمصاحبة موسيقى الثلاثي جبران، يدخل المخرجان في تفاصيل حياة اثنين من أصدقاء عماد اللذين كانا من أبرز الناشطين في الحركة الشعبية لمقاومة الجدار.

أصدقاء جبريل
الصديق الأول باسم أبو رحمة -أو "الفيل" كما يسميه أبناء قريته- الذي استشهد في مظاهرة عام 2009 وكان صديقا لابن عماد الطفل الذي بدأ يكبر ويشاهد بعينه الأحداث التي يفقد فيها صديقه الفيل. وأديب الرجل الدرامي الذي يتهيأ للمسيرات كما لو كان ذاهبا لمناسبة اجتماعية، ممارسا هوايته بالاستعراض أمام الكاميرا، والذي أصيب هو الآخر بطلق ناري في ساقه أقعده شهرا بالفراش.

يقسم المخرجان الفيلم إلى خمس مراحل زمنية تبعا لخسارة عماد كاميراته بسبب تعرضها لإطلاق النار أو التحطيم من قبل الجنود الإسرائيليين، وفي كل مرة تتصاعد أكثر وتيرة الحراك الشعبي المناهض لبناء الجدار، وتتخذ أشكالا جديدة وحلولا مبتكرة لتعطيل عملية المصادرة والبناء.

ترتفع كذلك وتيرة العنف الإسرائيلي المقابل لتتخذ أشكالا عديدة كاقتلاع الجرافات أشجار الزيتون، وحرمان أهالي القرية من الوصول لأراضيهم، وسقوط المزيد من الشهداء، والمداهمات الليلية لبيوت الناشطين بالقرية، ومن بينها بيت عماد وإخوته واعتقالهم.

يعرض عماد سيرة قريته وأسرته والحركة الشعبية لمقاومة الجدار العنصري، وكذلك سيرة كاميراته الخمس، "مؤنسنا" إياها كما لو كانت أحد أفراد قريته أو أصدقائه الذين فقدهم، جاعلا منها شخوصا حقيقيين كشخوص فيلمه.

جبريل الذي ولد مع أول كاميرا محطمة وصار شاهدا على جدار الفصل العنصري (الجزيرة)

سلاح الكاميرا
أضافت الكاميرا عنصرا جديدا للنضال الشعبي لا يمكن الاستهانة بأهميته في عصر الثورات الشعبية ومواقع التواصل الاجتماعي، ويصفها عماد بالأداة أو السلاح، وكذلك السينما التسجيلية في حمل الوقائع للعالم كوثائق مصورة يمكنها أن تغير المعادل الإعلامي تجاه قضايا الناس البسطاء الذين فقدوا حقوقهم، عبر حمل قضاياهم وقصصهم اليومية إلى أهم المهرجانات، وإثارة الجدل حولها في المنابر الإعلامية بالعالم.

كاميرات عماد الخمس التي عرضها في مقدمة الفيلم أمامه مصابة ومكسّرة، وعاد ليعرضها مرة أخرى في مشهدٍ بنهاية الفيلم بواسطة كاميرا سادسة بقيت سليمة حتى تلك اللحظة، يقدمها كأنها شاهد عيان يوثق شهادته لما للصورة من وقع صارخ وقوي لا يمكن مقارنته بأية شهادة أخرى، شهادة مفصلة كاملة موضوعية واقعية، لم تتأثر بخطاب سياسي أو استعراضي إعلامي، بقدر ما هي توثيق إنساني حيادي في نقل الوقائع من زاوية مخرجها.

صار عماد نفسه شاهدا على اغتيال تلك الكاميرات، شهود العيان التي صور بها فيلمه واحدة تلو الأخرى، كما كان شاهد عيان بعدسة كاميراته على اغتيال الناشطين.

يبتعد الفيلم عن كلاسيكية الطرح، ويبتعد عن الإنشائية والخوض في القضايا الإشكالية المعقدة، فيفرد مساحته الزمنية لصالح الحدث اليومي المفصلي، ويفرد لشخصيات فيلمه المساحة الكافية لتظهر كاملة ويطرح من خلالها الأسئلة التي تعيد قراءة الأحداث تارةً، وتحاكمها تارةً أخرى، ملتزما بإطارها الجغرافي -قرية بلعين- دون الخوض في تفاصيل القضية الفلسطينية المتشعبة، ومبتعدا عن سرد المعلومات أو الأحداث التاريخية، لينحاز وبشكل كلي لشخوص فيلمه وكاميراته.

المصدر : الجزيرة