غدير أبو سنينة- مناغوا

قفزٌ مثابر فوق حواجز شائكة، ذلك هو تاريخ الحركة الفيلمية التسجيلية في أميركا اللاتينية، وبعد هذا يمكن القول بثقة إن هذه المنطقة التي ضجت بتاريخ من الصراعات المريرة قدمت أيضا صانعي سينما وثائقية قالوا كلمتهم وموقفهم، وكذا قدموا أعمالا ذات سوية فنية رفيعة طوال العقود الستة الماضية.

على وجه الدقة لا يعرف إن كان الفيلم التسجيلي في أميركا اللاتينية قد تأثر بنظيره الأميركي أم الأوروبي؟ لكن من المؤكد أنه اتخذ شكله الخاص به وكان ملتزما بالمشاكل الاجتماعية والسياسية التي عانت منها القارة وما زالت.

نجح التسجيلي اللاتيني في إثبات حضوره. ففي الأرجنتين تأثر بمدرسة بيونيرو فرناندو بيري، الذي التزمت أفلامه بالنقد السياسي والاجتماعي كما في فيلم "تيري ديي، 1958-1959" وهو فيلم قصير يحكي عن أطفال الضواحي المشردين، والفيلم الطويل "الغرقى، 1961"، إضافة إلى فيلم اعتمد على الصور الثابتة في العرض هو "البامبا الأميركية، 1963". وقد كان أسلوبه ملهما لكثير من مخرجي الوثائقي بعده.

كان هناك إنتاج كثيف للأفلام الوثائقية في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، وهما عقدان رزحا تحت الدكتاتورية

ساعة الأفران
وعلى المنهاج ذاته، صوِّر الفيلم التسجيلي الأكثر تأثيرا في أميركا اللاتينية والذي اعتبره كثير من النقاد البداية الحقيقية للأفلام التسجيلية الاجتماعية والسياسية "ساعة الأفران، 1967-1968" لفرناردو سولاناس وأوكتافيو خيتينو وهما مخرجان ينتميان لمجموعة سينما التحرير.

وقد كان الفيلم من ثلاثة أجزاء ومدته أربع ساعات، وهو فيلم تظاهري ثوري سياسي وناقش في مجمله الأوضاع الإنسانية البائسة. ثم جاء فيلم "معركة تشيلي، 1975-1979" لباتريسيو غوسمان، الذي استطاع أن يعكس حال أميركا اللاتينية انطلاقا من تشيلي.

وفي البرازيل، عرف إنتاج الأفلام التسجيلية في الحقبة السينمائية المسماة "سينما نوفو". ومن أهم الأفلام في تلك الفترة فيلم "فيراموندا، 1964" لخيرالدو سارنو، وكان ذلك الفيلم بداية ما عُرف بالوثائقي الاجتماعي.

و"فيراموندا" يشكل جزءا من حركة كارافانا فاركاس، التي بدأها المصور توماس فاركاس، وقد صنع سلسلة من الأفلام التسجيلية واستطاع بموهبته نقل صور حقيقية عن أوضاع شمال غرب البرازيل وهي المنطقة الأكثر فقرا في البلاد.

في حقبة السبعينيات، بدأت حركة أخرى بالظهور هي"سينماروا" بريادة المخرج جوا باتيستا دي أندراده الذي تمرّد على الخطاب السوسيولوجي وأخذت أفلامه منحى آخر يهدف إلى التفاعل المباشر مع الجمهور.

كان أندراده يحمل كاميرته ويمشي في الشارع مفاجئا الناس بأسئلته ليكونوا في نقاش مفتوح وجها لوجه أمام الكاميرا.

نحو الجمهور
وفي عام 1967 وتزامنا مع عرض فيلميْ "مهاجرين" و"حرية الصحافة" أصبح للسينما أسلوب مباشر في مخاطبة الجمهور.

لقد كان هناك إنتاج كثيف للأفلام التسجيلية في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم -وهما عقدان رزحا تحت الدكتاتورية- لكن هذا لا يعني انتشار ثقافة الوثائقي.

وبسبب التهميش من قبل المعترضين على الموضوعات المطروحة من قبل هؤلاء المخرجين فقد اقتصر انتشار هذه الأفلام على النقابات والمراكز الأكاديمية والجامعات والأندية.

وفي قاعات السينما، لم تكن تُعرض سوى الأفلام التسجيلية الرسمية قبل عرض الأفلام الطويلة كنوع من السينما الإخبارية أو السينما المنوعة، إلا أن هذه الأفلام المنتجة رسميا لم تخلق تاريخا جديرا بالاحترام بل كانت عبارة عن دعاية فكرية للحكومات العسكرية، على عكس الأفلام التسجيلية الملتزمة التي أصبحت نموذجا في إنتاج الأفلام رغم الصعوبات التي واجهتها وما زالت تواجهها.

في السبعينيات،  برزت حركة "سينماروا" بريادة المخرج أندراده الذي تمرّد على الخطاب السوسيولوجي وأخذت أفلامه منحى يهدف للتفاعل المباشر مع الجمهور

انفراج
في الثمانينيات لم تكن العقبات مذللة أمام المخرج البرازيلي جواو غودوي الذي استغرق تصوير فيلمه الأول "كوباتو، حبي" خمسة أعوام.

فبسبب شح التمويل لم يستطع المخرج أن ينفذ الأجزاء الأولى من فيلمه فخرج العمل باهتا ولم يكن له أي تأثير. فالعاملون في الفيلم أنفسهم كانوا يعملون تقريبا بالمجان ولم تكن هناك سوق حقيقية للفيلم التسجيلي ناهيك عن التوزيع.

وعلينا ألا ننسى تدهور الوضع الاقتصادي في البرازيل في تلك الفترة بسبب الحكم العسكري الذي أغرق البلاد بالديون مما أثر على الدعم الثقافي سواء من القطاع العام أو الخاص.

لكن غودوي لم يستسلم وأخرج فيلمه الشهير "مقبرة جماعية" في التسعينيات، وهو فيلم يصور موقعا من المفترض أن تكون فيه مقبرة جماعية للمفقودين خلال الحكم العسكري للبلاد. وبرغم صعوبة تنفيذه فإنه استطاع أن يحظى بإعجاب النقاد ويحصد جوائز محلية وعالمية كمهرجان بيلبوا العالمي للأفلام التسجيلية والقصيرة عام 1995.

وفي عقد التسعينيات أيضا وبفضل انتشار تلفزيونات الكابل، أصبح هناك طلب على الفيلم التسجيلي من قبل تلك التلفزيونات مما ذلل عقبة مهمة من العقبات التي كانت تواجه التسجيلي وهو التمويل المادي.

المصدر : الجزيرة