راشد عيسى

ماذا يحدث حين يجد السينمائي نفسه جنديا في معركة طاحنة ظالمة؟ ليس في هذا السؤال أي نوع من المجاز، أو ترف الألعاب الفكرية الافتراضية، لقد حدث ذلك فعلا للسينمائي السوري الشاب زياد كلثوم حين وجد نفسه جنديا برتبة رقيب مجند في واحدة من أكثر الجبهات اشتعالا في سوريا اليوم: المليحة في غوطة دمشق الشرقية.

عندها لم يجد الشاب المولع بالسينما خيارا سوى كاميرا الموبايل التي ستأخذه في النهاية إلى إنجاز فيلم "الرقيب الخالد"، هذا العنوان الذي يحاكي أكثر عبارة تداولها إعلام النظام السوري منذ موت حافظ الأسد: "القائد الخالد".

يوثق المخرج الرقيب يوما من يومياته العادية، منذ استيقاظه على صوت رنين منبه الساعة، ليختم برنين آخر في نهاية الفيلم، في دورة لا تتعدى يوما واحدا، وربما في محاولة للإيحاء بأن كل ما جرى بين دفتيّ الفيلم ليس سوى كابوس يزعزعه رنين الساعة.

نحن لا نرى وجه الشاب طوال الفيلم، فهو يبدأ بتصوير خطواته، والطريق إلى الثكنة، ولن يكون الفارق بين خارج وداخل الثكنة سوى لباسه الذي يتحول فجأة إلى العسكري المموه.

الرقيب المجند زياد كلثوم يصور خطواته
نحو الثكنة بكاميرا موبايل (الجزيرة)



لن يختلف خارج الثكنة كثيرا عن داخلها، ففي المكانين سترصد الكاميرا تلك العبارات على الحيطان "نعم لباني سوريا الحديثة"، "الشعب يريد الأسد للأبد"، "لن تركع أمة قائدها بشار"، "وحدة حرية اشتراكية".

تمضي الكاميرا في تجوالها الخائف والمهتز في قلب الثكنة، لتصل إلى سينما تتبع لقسم "التوجيه السياسي" تحمل اسم "سينما باسل الأسد"، وهناك سيقدم حامل الكاميرا هويته: "الرقيب المجند زياد كلثوم".

كابوس تحت الميغ
لا أسرار يقدمها الفيلم عن ما يجري في الجهة الأخرى، الجهة التي تقصف الناس بكل أنواع الأسلحة. إنه تقريبا يبدو كمن يصور رعبه وكابوسه الشخصي تحت سماء الميغ، وفي أحضان المدافع التي تلقي بكل تلك الحمم على الجيران.

بعد الظهر سيعود المجند الشاب إلى حياته المدنية، فيلتحق بفريق تصوير فيلم "سلم إلى دمشق" لمحمد ملص الذي يظهر متحدثا في الفيلم أكثر من مرة. فيلم ملص نفسه يتحدث عن يوميات شبان سوريين يعيشون بدمشق في ظل الأحداث الراهنة.

هنا سيبدأ السينمائي الشاب كلثوم بعمل مزدوج: توثيق يوميات السوريين كبشر عاديين في ظل ما يجري، واستكشاف إمكانية السينما تحت سماء القصف، وفي ظل الحصار وتقطيع الشوارع والحواجز.

سيلتقط الفيلم شخصيات من الشارع، كروان أفندي المولع بالسينما، والذي فقد ابنا في هذه الحرب، كما سيتحدث إلى بعض التقنيين أو الكومبارس العاملين في الفيلم بوصفهم مواطنين تمسهم الأحداث، كل بطريقة.

ففي موقع التصوير نفسه سيجد المخرج (وهو نفسه أحد العاملين في فيلم محمد ملص) سيدة كومبارس زوجة عسكري تشيد بالجيش وتشدّ على يديه، وستجد من يبكي حرقة بسبب فقد أصدقاء أبرياء في حي الحجر الأسود، كما أن هناك من سيتحدث عن حصار قدسيا، وكيف أنهم يقتلون الناس ويهينونهم على الحواجز.

تصوير وقصف
يتطرق الفيلم إلى صعوبة التئام فريق التصوير الآتي من أحياء متفرقة في دمشق، وبالطبع إلى تأثير القصف في مجريات التصوير.

محمد ملص يقول في الفيلم "نحن نصور فيما الطاقم التقني يخاف ويرتعش، لا ندري إن كنا سنفاجأ أثناء التصوير بصوت مروحية أو قصف"، كما يتحدث تقني الصوت كيف أن صوت الميغ تعني له فقط منغصا على سير العمل، لكنه بعد الإلحاح في تبيان رأيه يقول، بهمس "المحزن أن طائرة سورية تقصف أرضا سورية".

كذلك يتحدث الفريق كيف اعتقل أحد السينمائيين البارزين المشاركين في الفيلم من موقع التصوير (هو مهندس الصوت غانم المير الذي اعتقل أثناء التصوير في مدينة طرطوس أكتوبر 2012).

فيلم ملص الذي جرى تصويره آنذاك يتطرق أيضا إلى تصوير تجربة اعتقال، يؤدي دور المعتقل في الفيلم الممثل والمخرج غسان جباعي (هو في الواقع معتقل سابق)، إنه إذن تطابق فريد بين فيلم زياد كلثوم التسجيلي، وفيلم محمد ملص الروائي، وبين مجريات الواقع الحي، إنه سباق فريد في تسجيل وتوثيق حياة وأمكنة قيد الاندثار.

يلتقط الفيلم شخصيات من الشارع، كروان أفندي المولع بالسينما، والذي فقد ابنا في هذه الحرب، كما سيتحدث إلى بعض التقنيين أو الكومبارس العاملين في الفيلم بوصفهم مواطنين تمسهم الأحداث، كل بطريقة
كأنما تشيع الوجوه
اللقطات الأخيرة من الفيلم ستكون لطائرات حربية تقصف، ثم تستعرض الكاميرا وجوه فريق التصوير كأنما تشيعهم، يليه انفجار ضخم يبدو وكأنه أتى على الوجوه التي رأيناها منذ هنيهات.

تتوالى صور لمدينة دمشق الغارقة في الظلام، لقطات من شاشات التلفزيون وهي تبث أخبار الحرب، وشاشة التلفزيون السوري الرسمي وهي تطلب متطوعين للجيش، صورة لعسكري في الطائرة سعيد بعد القصف، دمار وانفجارات، ثم عودة إلى لقطات من ثكنة الرقيب، وصولا إلى غرفته، وإلى صوت منبه الساعة.

هنا، في تيترات الفيلم الأخيرة سيعلن مخرج الفيلم "أنا الرقيب المجند زياد كلثوم، أعلن انشقاقي عن الجيش النظامي، وعدم التحاقي بصفوف ثوار الجيش الحر، أو غيرهما من الجيوش المتقاتلة على هذا الكوكب، وذلك لرغبتي بالحرية والسلام، والسلاح الوحيد الذي أستطيع حمله في هذه الحياة هو كاميرتي".

"الرقيب الخالد" هو خروج نهائي -كما هي ثورة الشعب السوري- عن سلطة "القائد الخالد"، انسحاب من الثكنة، وكل شعاراتها، تلك الصورة المصغرة عن الثكنة السورية الأوسع، هو انسحاب من السلاح والبدلة المموهة إلى عالم ليس فيه سوى السينما.

المصدر : الجزيرة