عزة سلطان

بعد ما يزيد عن عشرين عاما يُعاد فتح قضية "الرحلة 1103" حيث أقلعت طائرة البوينغ رقم 1103 يوم 22 ديسمبر/كانون الأول من مطار بنغازي في رحلة داخلية إلى طرابلس. وبينما كانت الطائرة في الانتظار للسماح لها بالهبوط سقطت بشكل عمودي، وراح ضحية الحادث كل طاقم الطائرة وكل الرُكاب، بل الأكثر قسوة أنه لم يتم التعرف على ملامح الجثث، مما دفع الحكومة إلى دفن الضحايا في مقبرة جماعية.

وككثير من القضايا في بلدان العالم الثالث والمنطقة العربية، تم التعتيم على القضية التي استُثمرت في السعي نحو فك الحِصار المفروض على ليبيا آنذاك إثر تورطها في قضية لوكيربي.

الصحافة الاستقصائية قائمة على النبش والتتبع، وهو ما يوفر مادة تشويقية بامتياز، والفيلم الاستقصائي ينحو نفس المنحى، فيبدو البطل الرئيسي هو الملف البحثي، وجهد الباحثين.

أهم ما يميز ذلك أن الباحث يضع فرضيات وينطلق باحثا خلفها دون تحيز إلى فرضية بعينها، وهكذا بدأت قناة الجزيرة في برنامجها "الصندوق الأسود" تقديم قضايا دار حولها جِدال ولم تُحسم.

لقطة من تحضيرات فيلم "الرحلة 1103"
(الجزيرة)

الاستقصاء 
في فيلم "الرحلة 1103" يبدو المنهج الاستقصائي واضحا منذ اللحظات الأولى التي تكشف عن القضية، مقدمةً فرضيات يسعى التحقيق خلفها لإثباتها أو نفيها.

إذا كنا نناقش الفيلم من هذا الجانب فإنه قد اتبع كافة القواعد المتعارف عليها في تقصي الحقائق، بل إن جهد الفريق البحثي بدا واضحا للمشاهد، وقد يكون ذلك مؤشرا جيدا في استقصاء الحقائق المتعلقة بموضوع ما، لكن الفيلم وسيط مختلف إذ إن اتباع قواعد سليمة في البحث لا يجعل بالضرورة الفيلم مشوقًا!

بدا تعليق الفيلم مكتوبا باحترافية متميزة، حرص فيه كاتب التعليق على أن يجعل المشاهد طرفا في تتبع الحدث، من خلال الوقوف على التفاصيل ومراحل التقصي، وهو الأمر المشوق والداعم نفسيا للمتابعة حتى النهاية، كما أن صوت المعلق جاء قويا ملائما للقضية.

في حدث متلاحق للكشف عن جريمة، يُنتظر أن يسمع المشاهد موسيقى تصويرية مؤهلة لحالة البحث والتحري التي تدور في الفيلم، لكن هذا لم يحدث، فالموسيقى جاءت قليلة الظهور، ولا تحمل التوتر الكافي الموازي للحدث، كما أن شريط الصوت بدا به مشكلات، فصوت الضيوف جاء منخفضا بشكل واضح عن صوت المُعلق، مما كسر الإيقاع في مواضع ظهور بعض الضيوف، الأمر الذي نتج عنه تباين واضح في خط الفيلم الدرامي.

الإيقاع الهادئ إلى حد التباطؤ أو الملل أحيانا كان يدفع مخرج الفيلم محمد الصعيدي إلى الهروب سريعا إلى المعلق الذي كان اختياره جيدا جدا.

ثراء في الصورة
لم يعتمد الصعيدي على حالة التشويق المتوقعة من متابعة قضية لطالما تركت خلفها علامات استفهام لدى الشعب الليبي، ولفترة لدى العالم، فلجأ إلى التصوير من داخل طائرة كمعادل بصري، نجح في نقل حالة الطائرة إلى المشاهدة، كما أنه اعتمد الغرافيك في إعادة تمثيل الحدث مما شكّل معادلا بصريا لصالح حالة الاستقصاء.

تميل أركان المعادلة الاستقصائية في "كارثة الرحلة 1103" صوب المخرج الذي استطاع مع فريقه البحثي وبشكل جيد عرض كافة جوانب القضية، ساعين بجهد مُلاحظ للوصول إلى شهود العيان، والمشاركين في الحدث.

ضيوف أي فيلم وثائقي هم معادلو الأبطال في الأفلام الروائية، وفي "كارثة 1103" كان الأمر بصعوبة كبيرة على صانع الفيلم، حيث إن مساحة الاختيار منعدمة تقريبا، فاستعان بشهود العيان وأطراف القضية.

محمد الصعيدي مخرج الفيلم يتسلم جائزة البكرة الذهبية بمهرجان كندا للأفلام (الجزيرة)
إدارة الضيوف
كان بعض الضيوف يتحدثون بهدوء وتراخ ربما للتباعد الزمني بين الواقعة وبين الآن، هذا الهدوء الذي صبغ مشاهد بعض الضيوف برتابة، كما أن آخرين تحدثوا بلكنة محلية، مما كان يدفع المشاهد لبذل جهد إضافي لفهم ما يقوله المتحدث على الشاشة.

وكان يمكن لمخرج الفيلم أن يستعين بكتابة ما يقوله الضيف حسب طريقة "subtitle"، وهو أمر مُتعارف عليه خاصة مع لكنات سُكان شمال أفريقيا.

لم تبد إدارة بعض الضيوف جيدة، أو على نفس مستوى الحدث الاستقصائي، كما أن انخفاض صوتهم داخل شريط الصوت عن صوت المعلق بشكل واضح، لم يكن في صالح الفيلم الذي عانى من كسر الإيقاع في مواضع متفرقة -وإن كانت قليلة- أفقدت الفيلم بعضا من رونقه.

عرض الصعيدي بناء سرديا محكما، حيث يقدم الفيلم فرضياته لكشف لغز تحطم الطائرة، ومع كل فرضية يتمكن المخرج من إيهام المشاهد بأن هذه الفرضية هي الحقيقة، خاصة عند طرح افتراض بأن حادث الطائرة جاء متعمدا من قِبل نظام القذافي، وقد دفع المخرج بعد طرحه هذا لعدد من الشواهد التي قد تؤكد هذا الفرض، وهو الأمر الذي يُحسب لصالح حالة التشويق المفترضة والمنتظرة في عمل كهذا.

المصدر : الجزيرة