لا يمكن التعامل مع الفيلم بوصفه تاريخيا ولكنه يتناول شخصية تاريخية (الجزيرة)
عزة سلطان

ثمة معادلة صعبة لصُنّاع الأفلام الوثائقية المخصصة للعرض التلفزيوني، فالتوجه نحو العرض التلفزيوني يجعل هناك شروطا إلزامية في ما يُعرف بـ"ستايل بوك" (Style book) أي القواعد التي تراها كل شاشة في نوعية الأفلام التي تعرضها، وهو الأمر الذي يصنع حدودا لخيال المبدع/صانع الفيلم. وفي الجانب الإيجابي، فإن صُنّاع الأفلام يسعون لابتكار طرق يمررون من خلالها رؤيتهم.

نرى ذلك في فيلم "هذا أنا.. النحاس مشوار الإقامة الجبرية" من إنتاج قناة الجزيرة الوثائقية، ومنتج منفذ ومخرج محمد فريد.

يتأرجح فريد في فيلمه بين حالة شاعرية و"نوستالجية"، وبين صناعة فيلم تأريخي توثيقي لا يتوقف عند حدود تناول شخصية ذات بعد تاريخي في تاريخ مصر، وهي شخصية مصطفى النحاس باشا رئيس وزراء مصر أكثر من مرة، وزعيم حزب الوفد بعد رحيل مؤسسه سعد زغلول.

يأتي اختيار فريد ليكون اسم الفيلم في شطره الأول "هذا أنا" اختيارا شاعريا، مشيرا إلى أنه سيقدم ما يشبه "البيوغرافيا" عن رجل سياسي، وقد دعم المخرج رؤيته الشاعرية باختيارات جمالية في التصوير، حيث لجأ إلى تصوير المقابلات التلفزيونية على خلفية شاشة عرض (بروجكتور) تعرض مواد أرشيفية تاريخية لحقب زمنية قديمة، صانعا حالة من "النوستالجيا" وصياغة مختلفة لتقديم المقابلات التلفزيونية.

وربما يظن بعض من لديهم دراية بصناعة السينما أن هذه المقابلات قد أجريت بطريقة الشاشة الزرقاء (الكروما) لكن ما جرى عكس ذلك، إذ عمل فريد على جمع مواد أرشيفية عالية الجودة حول موضوع الفيلم وفي فترات زمنية مختلفة، صانعا منها لقطات فيلمية تجري في عمق المقابلة التلفزيونية، ومتوافقة مع مشاهد تمثيلية تراوحت في ظهورها على الشاشة بين الأبيض والأسود والألوان.

جمع المخرج مواد أرشيفية عالية الجودة حول الفيلم وفي فترات زمنية مختلفة (الجزيرة)

انحياز شاعري
هذا الانحياز الشاعري والانحياز لشخصية الفيلم جعل النص/التعليق في الفصل الأول من الفيلم (أول 15 دقيقة) يأتي في دور البطولة، فالتعليق هو الأقوى، وهو محتكر المعلومات والحقائق، بينما جاءت المقابلات التلفزيونية واختيارات صانع الفيلم من كلام الضيوف، الأمر الذي يشكل إعادة ما صيغ في التعليق بطريقة أخرى فقط.

غير أن باقي الفيلم الذي جاء فترة زمن عرضه (52.20) دقيقة استطاع فيه المخرج محمد فريد أن يوازي بين النص/التعليق وبين المقابلات التلفزيونية، حيث بات الضيوف يقدمون وجهات نظر مختلفة ويقدمون ما هو جديد ومكمل للنص.

سعى صانع الفيلم في اختيار عنوانه إلى صنع حالة من التوازن بين "البيوغرافيا" المقدمة عن شخصية النحاس منذ ميلاده وطفولته وصولا إلى موته، وبين الحدث الأهم وهو إقصاء النحاس من العمل السياسي ووضعه قيد الإقامة الجبرية في منزله، بعد قيام ثورة يوليو 1952.

الانحياز لشخصية الفيلم يأتي واضحا عبر إظهار بطولات الشخصية، وظهور شخصية النحاس بطلا قوميا، واختيار ما يدعم ذلك من أحداث تاريخية، ومواد أرشيفية. حتى بعض الآراء التي جاءت تعارض هذه الرؤية، قدمها المخرج في محاولة لإظهار صفة الموضوعية في التناول، حيث قدمها عبر آراء الضيوف، وقدم كذلك ما يدحضها أيضا عبر كلام الضيوف، وهي انحيازات مقبولة في ضوء تقديم فيلم أقرب إلى أفلام السيرة الذاتية التي تتناول شخصية تاريخية ببعض الانحياز.

هذا الانحياز الواضح في اللقطات الأخيرة من الفيلم عبر مشاهد جنازة النحاس وتصويرها جنازة شعبية، ورغم وجود أحد الضيوف والذي يذكر رأيا مخالفا لفكرة الجنازة الشعبية، والاحتشاد، فإنه رأي ذاب وسط آراء داعمة في اتجاه شعبية الجنازة.

هذه النوعية من الأفلام التي تلبس ثوب التاريخ مقدمة سيرة ذاتية لإحدى الشخصيات، هي في الأغلب منحازة لوجهة نظر مسبقة قبل البدء في الصناعة، وبغض النظر عن كون وجهة النظر صحيحة أو غير صحيحة، فإن هذا الانحياز يوجه البحث صوب وجهة النظر المعتمدة في البداية، وأيضا يقود صانع العمل في اختياره المواد الأرشيفية، واختيار الأحداث التاريخية التي تدعم وجهة النظر المعتمدة مسبقا.

استطاع الفيلم تقديم "بيوغرافيا" متميزة
وبدت صناعته في أفضل ما تكون (الجزيرة)

فارق كبير
ولا يمكن التعامل مع فيلم "هذا أنا.. النحاس مشوار الإقامة الجبرية" بوصفه فيلما تاريخيا، بل بوصفه فيلما يتناول شخصية تاريخية، وهناك فارق كبير بين النوعين: فالأول يضم كل الأحداث التاريخية في فترة زمنية بعينها، والثاني يتناول بشكل انتقائي الأحداث التاريخية التي تخص الشخصية والتي يبدو دور الشخصية فيها دورا بطوليا وفاعلا أو حسب وجهة النظر المعتمدة سلفا عن الشخصية التي سيتم تقديمها.

أجاد فريد صناعة فيلم عن شخصية تاريخية، واستطاع بوعي شديد وعمل دؤوب هو وفريق العمل -الواضح جهد كل منهم بشكل جلي- أن يقدموا فيلما "بيوغرافيا" متميزا، حيث تبدو كل مكونات صناعة الفيلم في أفضل ما تكون.

فاختيار وضع خلفية آلة عرض تقدم مواد أرشيفية صنع حالة مغايرة لما اعتيد عليه في المقابلات التلفزيونية، كذلك وضح جهد البحث واختيار المواد الأرشيفية، وصياغة التعليق بشكل متميز لا يمكن إغفاله، وجاءت الموسيقى والمونتاج متوافقة ومتميزة بما يليق ببناء متماسك ومشوق في مثل هذه النوعية من الأفلام، فالتأرجح بين الشخصي والعام جاء موفقا بما يضمن استمرار حالة التشويق والمتابعة لدى المشاهد الذي سيقع بالضرورة في حالة لبس واضحة بتحديد نوعية الفيلم.

فكثيرون سيتصورن الفيلم تاريخيا، رغم أن عنوانه يشير إلى أنه عن النحاس باشا، وهو نجاح لصناع الفيلم، فالعمل الإبداعي الذي يحتمل تعدد التأويلات والرؤى هو بالأحرى بُذل فيه جهد يقره كل صاحب رؤية مختلفة.

يبقى أن الالتزام بقواعد العرض التلفزيوني يجعل من الفيلم فيلما للمناسبات أكثر منه فيلما يصلح للعرض في أي وقت، وإن كان تعدد الحوادث التي تطرق إليها في البناء تقدم أكثر من مناسبة للعرض.

المصدر : الجزيرة