بؤس المخيم لا يشبهه سوى بؤس اللاجئين السوريين هذه الأيام (ناشطون)

راشد عيسى

45 عاما مرت الآن على الوثائقي الذي أنجزه المخرج قيس الزبيدي عن أحد المخيمات الفلسطينية المحيطة بدمشق تحت عنوان "بعيدا عن الوطن". لا شك أن للفيلم أهميته في ذلك الوقت، لكن مرور كل هذا الزمن يمنح الفيلم مكانة أخرى، ليس الزمن وحده، بل الأحداث السورية الأخيرة التي وضعت سكان المخيم في مهب الريح مجددا.

في عام 1969 ذهب المخرج العراقي قيس الزبيدي إلى مخيم سبينة الذي يبعد عن مركز العاصمة السورية حوالي 14 كيلومترا، صوّر جوانب من حياة المخيم، مسلطا الضوء على وجوه الأطفال، الذين كانت الكاميرا تشدّهم في ذلك المكان المقفر فيلاحقونها من مكان إلى آخر.

تستكشف الكاميرا وجوههم، وضحكاتهم، وعبوسهم، وأماكن لعبهم التي تقتصر على كرة قدم يتقاذفونها في فسحة صغيرة بين الخيام، أو التزحلق على سطح الخيمة، أو العراك في ما بينهم. سوى ذلك، لم يكن غير وجوه الأطفال التي حرقتها الشمس، غاضبين عابسين، عيونهم تحدق في مجهول لا يعلمه أحد.

اللاجئون هم هم
لا ظهور لرجال المخيم في الفيلم، أما النساء فمنشغلات إلى أقصى حدّ: هذه تحمل الماء على رأسها، وتلك تخبز قرب الخيمة، وأخرى تنحني على طفلة صغيرة تغسل لها وجهها وتمسحه بفستانها.

بؤس المخيم لا يشبهه سوى بؤس اللاجئين السوريين هذه الأيام. بإمكان المرء أن يلمس حياة شديدة الفقر، حبال الغسيل المشدودة بين خيمتين قالت ذلك، والمسافات الترابية غير المعبدة، واجتماع النساء على صنبور الماء، كما الاجتماع حول سيارة الإعاشة. مخيم ملقى في قلب ظهيرة صيفية مليئة بالغبار والحرّ والملل.

الملفت أن الفيلم كان واقعيا بلا حدود، ولا أوهام، ولا انتصارات مزعومة، ولا شعارات على الحيطان تتوعد، أو تزعم، أو تحلم بشيء، كانت النكسة قد تركت أثرها، ولعل سكان المخيم كانوا يبدؤون حياتهم من الصفر للمرة الثانية، إذ إن معظمهم كان يعتبر نازحا هنا، المرة الأولى كانت عام 1948 حيث اكتفى كثيرون بالعيش قرب الحدود، قريبا من المنطقة منزوعة السلاح، في البطيحة وسواها، إلى أن جاءت نكسة الخامس من يونيو/حزيران فاقتلعتهم من جديد.

المخرج أخذ الأطفال بعد انتهاء التصوير إلى استديو الصوت، عرض عليهم الفيلم فراحوا يتصايحون فرحا وشجارا، يتضاحكون وهم يرون أنفسهم ويومياتهم

لذلك، فمن المرجح أن أناس الخيام كانوا في قمة يأسهم. الناس إذا كانوا مشدودين إلى تفاصيل عيشهم وحاجاتهم اليومية، لم تكن الخيمة قد تحولت بعد من خيمة للذل إلى خيمة للفدائيين، إذا استعرنا عبارة أم سعد "خيمة عن خيمة تفرق".

فرادة الفيلم
الفيلم لا يكسب فرادته من الصورة التي كان بإمكان كثير من المصورين الذين وصلوا إلى مخيمات اللاجئين أن يلتقطوا مثلها، بل في أن المخرج أخذ الأطفال بعد انتهاء التصوير إلى استديو الصوت، عرض عليهم الفيلم فراحوا يتصايحون فرحا وشجارا، يتضاحكون وهم يرون أنفسهم ويومياتهم.

يُعتقد أن الفيلم نال الجائزة الفضية في مهرجان لايبزغ بسبب هذه العملية بالذات، أي تركيب صوت الأطفال وانطباعاتهم فوق الفيلم.

الأطفال لم تجعلهم حتى هذه المسافة أن يروا حياتهم بمنظار الإشفاق، أو الفزع من رعب الحياة التي يعيشونها، فجلّهم ولد على هذه الحال، وكما يقول المثل الشامي "اللي ما بيشوف الحنطة ما بيقول أعطيني حنطة".

بمرح راح الأطفال يعرّفون عن شخصيات الفيلم. يشير الطفل إلى أخته "هذه أختي فايزة"، ويقول آخر هذا أبو سعود، وهذه أم صالح، وتلك فاطمة المصطفى، وغزالة، وآمنة، وعيشة، وابن النابلسي، ومحمد علي صالح، وأخيرا عوض، درويش المخيم الذي يتجمع حوله الأطفال، يحكي لهم، ويضحكون من حكاياته.

عوض هذا -لمن لا يعرفه من أبناء المخيم- هو ناعي المخيم، وظيفة موروثة من أيام البلاد، حيث لم تكن قد اخترعت ورقة النعي، ولم تكن تقنيات الصوت جاهزة لنقل أخبار الوفاة وغيرها عبر مكبر الصوت.

كان عوض -إلى أن توفي- يدور بين الحارات ليخبر عن حالة وفاة، أو ينادي طفلا ضائعا، يظل يدور، فيما أطفال المخيم يدورون وراءه، كان ذلك وحده يحتاج فيلما وثائقيا آخر، غير أن آخر الأفلام عن المخيم كان فيلم الزبيدي ذاك.

كبر المخيم، وكبر هؤلاء الأطفال، صاروا معلّمين وأطباء ومهندسين أو شهداء. وقف المخيم على رجليه أخيرا، العائلة فرّخت عائلات، وملصقات الشهداء لم تغب يوما عن حيطانه، وقد فرّخت هي الأخرى عائلات

أطفال يحكون
بين صور الخيام، وهرج الأولاد المرحين، أجرى الفيلم مقابلات مع بعض الأطفال الذين حكوا بطريقة أو بأخرى حال المخيم، فكلهم ينتمي لعائلات كبيرة العدد، بعضهم يحلم بلقمة -لا أكثر- والبعض الآخر أن يقف أمام الكاميرا، فيما أكثرهم يحلم بأن يمتلك قلما، يريد أن يتعلم، هذا ليصبح معلما، وذاك ليصبح طبيبا.

كبر المخيم، وكبر هؤلاء الأطفال، صاروا معلّمين وأطباء ومهندسين أو شهداء. وقف المخيم على رجليه أخيرا، العائلة فرّخت عائلات، وملصقات الشهداء لم تغب يوما عن حيطانه، وقد فرّخت هي الأخرى عائلات.

 لم يعد مخيما للذل، فقد امتلك النازحون صوتهم، لم يُنسهم تحوّل خيامهم إلى الإسمنت أن عيونهم يجب أن تظل مشدودة إلى ما وراء الجبل الجاثم أمامهم، وهكذا إلى أن وقعوا في براثن النظام الحاكم في سوريا، الذي ساوى بينهم وبين السوريين في الظلم، فكان للمخيم حصته من التظاهرات، ومن قصف النظام الوحشي الذي هدم المخيم وشرد أهله كل في صوب.

اليوم بالذات تكتمل دائرة المأساة، وقد يكون تكرار التجربة مبدعا لو أخذنا الفيلم إلى أبناء المخيم ليشاهدوه، أو إن تتبعنا مصير عيشة وغزالة وأبو سعود وفاطمة المصطفى، وسواهم.

لا بدّ من فيلم يسجّل ما حلّ بأبناء المخيم. فكما هو واضح، فإن الخيام تذوي، وكذلك الإسمنت، والشوارع، والحارات، والأسماء، وحتى الجبل الجاثم أمامنا، كله يمضي، ويبقى الفيلم.

المصدر : الجزيرة