زكريا جابر

بعد أن علم الشعب الأميركي بشهرة رودريغز في جنوب أفريقيا، أصبح أكثر شهرة من فرقة رولينغ ستونز. ليتغير المشهد كليا ويحظى بالأسطوانة البلاتينية لمدة عشر سنوات.

بعد سنتين على إنتاج الفيلم، انتحر المخرج مالك بن جلول وترك واحدا من أجمل الأفلام التسجيلية. وكان يعلق: الفيلم لا يليق بمستوى ما كنت أتمنى أن أراه.

البحث عن رجل السكّر، فيلم المخرج السويدي الجزائري مالك بن جلول الأول والوحيد. ولد بن جالول عام 1977 وتوفي منتحرا العام الحالي، وهو حائز على جائزة الأكاديمية لأفضل فيلم تسجيلي عام 2012 وجائزة الأكاديمية البريطانية للسينما والتلفزيون لأفضل فيلم تسجيلي.

انتحر المخرج مالك بن جلول بعد سنتين من إنتاج الفيلم (الأوروبية)
يروي الفيلم قصة المغني وكاتب الأغاني الأميركي من أصل مكسيكي سيكستو رودريغز، وهو مغنّ شعبي أميركي من مواليد العاشر من يوليو/تموز 1942، وهو لا يزال على قيد الحياة. ولد وعاش في ولاية ديترويت بالولايات المتحدة، ودرس فيها الفلسفة، وتنقل بين 26 منزلا خلال حياته في تلك الولاية، بالإضافة إلى أنه كان يشتغل عامل بناء.

أصدر في أواخر الستينيات ألبومه "Cold Fact" (أي الحقيقة الباردة) في ديترويت. وللأسف لم ينتشر الألبوم بالمستوى الذي تمّ التخطيط له.

في 1971 وبعد عام على إصدار ألبومه السابق، أنتج رودريغز ألبومه الثاني "Coming From Reality" (أي المجيء من الواقع)، وكانت حظوظ الموسيقى ذاتها ولم ينجح الألبوم، وبالإضافة لذلك، فإن هذا الفشل الفني أثّر عليه فقرر التوقف نهائيا في عالم الموسيقى والانعزال كليا. وفي الفترة ذاتها انتشرت شائعات عن انتحاره علنا بحرق نفسه أمام جمهور كان يشاهده في إحدى حفلاته الصغيرة في واحدة من حانات المدينة بسبب الفشل الذريع.

لم يكن رودريغز على علم بما كان يحصل خلف البحار في القارة الأفريقية. إحدى النساء اشترت نسخة من الألبوم من الولايات المتحدة وقدمتها هدية لصديقها في جنوب أفريقيا. وكانا كل مرة يستمعان للألبوم مع أصدقائهما ينتشر اسم رودريغز بشكل أوسع، فأصبح الألبوم الوحيد الذي كان في جنوب أفريقيا ينسخ أكثر وأكثر ليصبح موجودا في كل مجموعات الأسطوانات الموسيقية في كل البيوت التي كانت من الطبقة المتوسطة مع ألبوم "Abbey Road" الشهير لفرقة الروك الشهيرة الخنافس (The Beatles). ليتوسع مدى صوت رودريغز ويشمل الطبقات كلها، وتكون إحدى أغانيه نشيد الثورات الشعبية ضد العنصرية في جنوب أفريقيا.
بعد أن علم الشعب الأميركي بشهرة رودريغز في جنوب أفريقيا، أصبح أكثر شهرة من فرقة رولينغ ستونز. ليتغير المشهد كليا ويحظى بالأسطوانة البلاتينية لمدة عشر سنوات

وبعد مرور عقود على اختفاء رودريغز، فكر معجبان في اقتفاء أثر هذا الفنان الذي ظهر فجأة بألبومين سجلا مع أفضل المنتجين الموسيقيين في الولايات المتحدة، وهؤلاء يحملون في سيرهم الذاتية العديد من الأسماء التي لمعت في المشهد الموسيقي الأميركي والغربي.

اختفى في ظروف غامضة. وهذا الاهتمام نابع من الرغبة في اكتشاف الجانب الخفي لفنان الروك الذي لا يختلف أسلوبه الموسيقي كثيرا عن أسلوب الموسيقي الشهير بوب ديلان.

المخرج مالك بن جلول قال قبل انتحاره في مقابلة على تلفزيون "بي بي سي": فيلم البحث عن رجل السكّر، يروي قصة رجل لم يكن يعرف أنه كان مشهورا. بغض النظر عن فشله في البيع، لكن كم من الظلم سيحمل الشعب الأميركي تجاه رودريغز الذي توقف نهائيا عن الموسيقى، وبدأ العمل في البناء، ولم يكن يعلم أنّ ألبوماته حققت نجاحا في جنوب أفريقيا".

وبعد أن علم الشعب الأميركي بشهرة رودريغز في جنوب أفريقيا، أصبح أكثر شهرة من فرقة رولينغ ستونز. ليتغير المشهد كليا ويحظى بالأسطوانة البلاتينية لمدة عشر سنوات، إذ حقق مبيعات ضخمة وأصبح أحد أكثر الفنانين شهرة في أي وقت مضى، إلاّ أنه لم يكن على علم بكلّ هذا.

المفاجأة السينمائية الكبرى في الفيلم هي عام 1998، ويذكر شوغر (Sugar) -وهو بائع أسطوانات من جنوب أفريقيا- قصة غريبة عن رودريغز، ويقول إنه وبعد تفتيش شديد حظي برقم هاتف ابنة رودريغز واتصل بها وقال لها إنه يرغب في التحدث إلى والدها لوقتٍ قصير.

وفي اليوم ذاته، يرن الهاتف في منزله أثناء نومه فيستيقظ ويرد على الهاتف ليفاجأ بسيكستو رودريغز يتصل به "عرفته من صوته لأنني استمعت لأغانيه لأكثر من عشرين عاما بشكل يومي". 

المغني الأميركي سيكستو رودريغز تجاهلته بلاده واشتهر خلف البحار (غيتي)

يظهر رودريغز فجأة في المقابلة الأولى بعد فشله الموسيقي وكأن الفيلم كله عنه، ويروي ما كان يريد أن يرويه لو وضع أحدهم الضوء عليه. ولم يصدق ما قاله له شوغر بأنه أشهر من ألفيس بريسلي ومعظم الفرق الشهيرة في الستينيات والسبعينيات، حتى اقتنع بأن يسافر إلى جنوب أفريقيا ويقدم أكبر حفلة له مفتتحا إياها بالجملة التالية "أشكركم لتركي على قيد الحياة" ويليه تصفيق مئات الآلاف.

من الناحية الإخراجية والتقنية، يظهر الفيلم بأجمل إدارة تصويرية وفن إضاءة مما يضع المشاهد في مشاهدة تقوده دون أن ينزعج، بل على العكس، فأنا حين شاهدت الفيلم لأول مرة، قمت بإعادته ثلاث مرات بسبب التناغم الإخراجي مع قصة حياة سيكستو رودريغز.

وما يفاجئني أكثر هو تعليق المخرج على فيلمه وقوله "الفيلم لا يليق بمستوى ما كنت أتمنى أن أراه".

الفيلم شارك في مهرجان سان دانس حيث حصل على الجائزة الخاصة بلجنة التحكيم بالإضافة إلى جائزة الجمهور. سيكستو رودريغز يبلغ من العمر الآن 72 عاما، وعن تجربته في الفيلم، قال "الموسيقي دائما يمارس الموسيقى، قمت بإعادة الأغاني، نعم قمت بهذا كثيرا، ولقد التقيت عدة موسيقيين آخرين، وتحدثنا عن الموسيقى ووضعنا خططا للمستقبل، وهذا كان خارج إطار الفيلم، أنا أمثل، لكن في الفيلم الناس سيهتمون بمسيرتي الموسيقية، وهذا مثير جدا".

بعد سنتين على إنتاج الفيلم، انتحر المخرج مالك بن جلول وترك واحدا من أجمل الأفلام التسجيلية.

المصدر : الجزيرة