عبد الهادي سعدون

في هذا الفيلم التسجيلي الأرجنتيني المتميز "أعوام الشارع" (74 دقيقة) أمضت مخرجته ألخاندرا غرينشبون برفقة الباحث والسيناريست لوريانو لاديسلاو أكثر من 15 عاما في متابعة حياة أربعة أطفال يعيشون في الشارع وانتقالهم إلى المراهقة وصولا إلى الشباب.

وهذا العمر حسب الإحصائيات الاجتماعية في بلد أميركي لاتيني مثل الأرجنتين يعتبر الحد الأقصى للبقاء على قيد الحياة للبشر الذين يعيشون حياتهم كاملة في الشوارع، فما بالك بأطفال مهمشين من المجتمع وفي فقد تام لمعيل أو عائلة متماسكة؟

أربعة أطفال: ثلاثة أولاد وبنت واحدة يمضون حياتهم البائسة في مدينة بوينس آيرس عاصمة الأرجنتين عام 1999 وصولا إلى نهاية 2012 في ظل أزمة اقتصادية طاحنة وتفكك أسري ملحوظ.
 
السؤال الذي تطرحه المخرجة منذ البداية هو: كيف ستكون عليه حيواتهم بعد أكثر من عشرة أعوام؟ وهو ما حاولت أن تعبر عنه في الفيلم بمونتاج ذكي يلخص في أكثر من ساعة بقليل ثلاث عتبات مهمة من حياة هؤلاء الأطفال العزّل في شوارع معتمة وظروف معيشية ونفسية لا يحسدون عليها بالمرة.

يتنقلون بالقرب من محطة قطار قديمة يتخذونها مستقرا لهم متابعين حياتهم وكأنهم في حلم يصعب الخروج منه أو على حد تعليق المخرجة نفسها "كأنهم في لعبة مستديرة لا تنتهي حتى تبدأ من جديد".

نقلت المخرجة عبر كولاج مشاهد يومية حميمية المعنى الحقيقي لحيوات هؤلاء الصبية تحت ثقل
التهميش المتعمد من قبل مجتمع وسلطات مدنية لا تجد الحلول الناجعة دائما.

ألخاندرا غرينشبون تابعت في 15 عاما أربعة من أطفال الشارع (الجزيرة)

المخرجة في البدء تلتقي عام 1999 هؤلاء من خلال برنامج تأهيلي ولكنها تبقى مأسورة أمام نظرتهم الطفولية للحياة التي يعيشونها فتقرر الخوض في تفاصيل ما يمرون بهم كل يوم: رغباتهم وأحلامهم وما يجول بأفكارهم عن العالم والبشر والعائلة، وما يمكن أن تكون عليه حياتهم في مستقبل لا يعرفون المعنى الحقيقي له.

من تلك اللحظة ومن مقابلات عابرة تتنقل الكاميرا في حدود مملكتهم (الشارعية)، لكنه حتى ذلك الوقت وبعد الانتهاء من تلك التسجيلات الخاصة لم تكن تفكر العودة لهم بعد أكثر من عشر سنوات، من هنا يبدأ الفيلم، من فكرة تصوير لبرنامج تأهيل خاص إلى فكرة عرض لمعضلة مجتمعية خطيرة في فيلم تسجيلي.

وبينما العالم غارق في متاهة الأزمة الاقتصادية وفضائح السياسة الأرجنتينية نتابع مع الكاميرا أربعة أطفال في محطة قطار مركزية، في الجانب المهمل المتروك منها، وهي المحطة نفسها التي يموت فيها ما لا يقل عن 54 شخصا سنويا لأسباب مختلفة، بينما العالم في هياج وصخب، نراقب تلك الأرواح البريئة وهي تضحك وتتقافز بين القطارات المتوقفة وكأنهم على هرم لعبة عملاقة مسلية، مع ذلك فهم يجرجرون على ظهورهم الغضة حكايات وقصصا غريبة ومؤلمة.

من أنا؟
روبن (12 سنة) يحن دائما لأمه ولكنه لا يجد أمامه سوى البوابة المغلقة، يراقبها من بعيد وهي التي لا تراه، هو فقط يقترب ليراها عن بعد ليعود مجددا للشارع، أمه المريضة في مشفى حكومي بانتظار الخلاص الأخير، إسماعيل أكبرهم سنا (17 سنة) بعد سجل طويل من الجرائم المتلاحقة يجد في الثلاثة الآخرين ومحطة القطار ملجأه الآمن، خاصة بعد أن قبض على أصحابه الآخرين في جرائم السرقة وجلهم في السجن.

آندريس (12 سنة) الباحث عن رفقة بشكل دائم ولا يتأقلم مع الوحدة في محطة كبيرة، على ذراعه وشم من أربع نقاط وفي الوسط نقطة كبيرة، وعندما يُسأل ما معنى هذا الوشم؟ يقول: أربعة سُراق وفي الوسط شرطي.. نحن من قتلناه".

أما غاشي -البنت الوحيدة في المجموعة- فطوال الوقت تداري خجلها من شرح وضعيتها كفتاة وسط ليل بلا أبواب مغلقة، لأن عليها مراجعة اختصاصي نفساني وطبيبة كي يعيناها على تجنب مخاطر الحمل.

إذا كان الجزء الأول من الفيلم بهذا الإيقاع الهادئ يسرد تفاصيل صغيرة من أيام أبطال المحطة وهم يتصورون ما يمكن أن تكون عليه الحياة في المراحل التالية فالقسم التالي يصورهم بعد عام 2004، وهو القسم الأشد قسوة وواقعية في ظل مجتمع يمضي إلى الهاوية، على الأقل في مسائل التربية والطفولة.

أرواح بريئة بين القطارات المتوقفة وكأنهم على هرم لعبة عملاقة مسلية (الجزيرة)
نتقابل بعد سنوات والأطفال الأربعة أصبحوا شبانا، البنت الوحيدة بينهم تعيش ببطن منتفخة، حامل بابنة جديدة بعد أربعة أبناء سابقين من علاقات عابرة ومجهولة، الدولة تسحب منها الأولاد بحجة عدم قدرتها على تحمل تربيتهم، وهي تتأمل وتنتظر أن يكون حظ البنت القادمة أفضل، وروبين -المراقب لأمه في مشفاها- لا يجد مأوى سوى السجن.

أما إسماعيل فيبدو أنه الوحيد الذي يجد مخرجا غير السجن والشارع بتعلمه مهنة التصوير ودخوله في جمعيات لمساعدة الأطفال المهمشين وأبناء الشوارع. عبر التصوير يبدو أن إسماعيل قد وجد ضالته بفهم العالم.

أما آندريس بعد تلك السنين فما زال يعيش ما بين السجن والشارع، حتى أن الوشم لم يعد مرئيا لكثرة الضربات والخدوش في جسده وعلى ذراعيه، بعد سنين من الحياة في الشارع لا يزال يخشى أن يكون وحيدا ولا يرغب بترك الآخرين.

في الجزء الأخير من الفيلم، لحظات انتظار لخروج آندريس من السجن بعد أن دخله بجريمة جديدة، يسعد لرؤية الآخرين، ويقرر المضي إلى بيت أهله وهو يحمل لهم هدايا بسيطة مما جمعه من أموال في السجن، يستقبلونه هناك، ولكن في نهاية الزيارة تخبره أمه أن لا مكان له بينهم ليعود للشارع من جديد.

في النهاية تتابع المخرجة ما يستجد من حياة الثلاثة لأن الرابع آندريس يختفي ويفقدون أثره، بينما الكاميرا من جديد تتابع تحركات أخرى لأطفال جدد في المحطة نفسها وكأن العالم لم يتغير ولم يتحرك من مكانه منذ أن تركوه قبل 15 عاما.

فيلم صادق وواقعي ومشغول بشكل حساس جدا لطرح معضلة خطيرة، لكن دون أن يقع في الدعائية الفجة ولا الدفاع المباشر عن قضية تهم الإنسانية كلها، لأنها تصب في بوتقة البراءة وعالم الطفولة الذي نحيله إلى جحيم بسبب سلبيتنا وإهمالنا.

المصدر : الجزيرة