قيس الزبيدي

هل توجد حقا إمكانية للتمييز بين الفيلم الخيالي/التمثيلي والفيلم اللا خيالي/اللا تمثيلي؟

جرت نقاشات معقدة حول أين يمكن للحدود أن تتقاطع بين الخيال واللا خيال وإلى أي حد يجوز للفيلم الروائي/الخيالي أن يكون تسجيليا، وإلى أي حد يكون للفيلم اللا خيالي أن يكون تمثيليا؟ في حين أن القضية تتعلِّق بطريقة الاختلاف التي تميز الفيلم التسجيلي/اللا خيالي عن الفيلم الخيالي/التمثيلي.

المطلوب في عصر وسائل الاتصال الجديدة تطوير هذه الحوارات النظرية. فنحن حينما ننشغل بالفيلم في الوقت الحاضر ونبحث عن أجوبة عن وضع التسجيلي علينا أن نلتفت إلى أسس إنتاجه وتاريخه، فلكل فيلم تسجيليا كان أم روائيا/خياليا، أَعرافٌ (تقاليد) وابتكارات متضمنة في مستويات بنيته المتنوعة.

بول روثا:
من الصعب عليّ أن أضع فارقا بين ما يسمى فيلما تسجيليا وما يسمى فيلما روائيا، أي فيلم-حكاية. برأيي أن الفرق يوجد في منهج الملاحظة التي نقترب فيها من الموضوع وطريقة تصويره وأسلوب إخراجه

ومثلما اعتبر بعض المنظرين والمؤرخين (أمثال جورج سادول George Sadoul وإدغار مورين ‎Edgar Morin  وسيغفريد كراكاور Siegfried Kracauer) كل تاريخ السينما بمثابة تجاور وتفاعل دائم لـ "اتجاهات" لوميير وميليه، فبالإمكان أيضا رصد التجاور بين التسجيلية الواقعية من جهة والاتجاهات الروائية/الخيالية من جهة أخرى.

تقنيات اللا خيالي
يقدم الفيلم اللا خيالي حكاياته بوساطة تقنيات مختلفة كثيرة ويوسم تطوره من جهة عمليات اتصالية معينة ويتأثر من جهة أخرى بتطورات تقنية تقدم إمكانات التعبير عن ما هو جديد تماما. وأول ما يوجه نظرة المؤلف الألماني تورلوف ليب Tarlov Lep في الواقع هي العلاقة بين بنى سرد الفيلم اللا خيالي ومدى قدراته الاتصالية.

لم تكن نظرية التسجيلي المبكرة، سوى تأكيدات شخصية وتبرير لآراء ذاتية وترويج لتجارب ومحاولات جمالية لممارسة فيلمية خاصة عبرت في الأساس عن صلة السينما بالواقع، أثناء ما كانت تبحث في جدلية العلاقة بين الذات والموضوع. وانحصر السؤال حول حدود الموضوع، وإلى أي مدى يكون حاضرا أو إلى أي مدى تكون الذات حاضرة؟ والعكس أيضا صحيح: إلى أي مدى يكون الموضوع غائبا، أو إلى أي مدى تكون الذات غائبة؟ وشكلت جدلية هذه العلاقة وحددت إشكالية ما يسمى حضور الموضوع في الفيلم التسجيلي بأمانة فنية.

فلاهرتي استطاع أن يوضح المبادئ الأولى للسينما التسجيلية "أنت تصور الحياة الطبيعية، لكنك أيضا تخلق تفسيرا له عبر وضعك للتفاصيل بجوار بعضها بعضا (...) لكن من المهم التمييز الأولي بين منهج يكتفي بوصف القيم السطحية لموضوع ما، ومنهج يظهر واقع هذا الموضوع بشكل أكثر حيوية. يتوجب على السينما التسجيلية وضع مادتها في دائرة الضوء، وجعلها مألوفة كي يتم إخراجها".

مقاربات
ألبرتو كافالكانتي Alberto Cavalcanti نظر للمسألة على النحو التالي "أفلامي التسجيلية كانت تنحاز دائما إلى جمالية الفيلم الروائي". أما المؤرخ بول روثا Paul Rotha فقال "من الصعب عليّ أن أضع فارقا بين ما يسمى فيلما تسجيليا وما يسمى فيلما روائيا، أي فيلم-حكاية. برأيي أن الفرق يوجد في منهج الملاحظة التي نقترب فيها من الموضوع وطريقة تصويره وأسلوب إخراجه".

لنأخذ مثالا على فيلمين، أكن لهما كل الإعجاب الأول "قصة لويزيانا" لروبرت فلاهرتي robert flaherty والثاني "امبرتو دي" Umberto D لفيتوريو دي سيكا Vittorio de Sica الذي أعتبره واحدا من أكثر الأفلام أهمية في كل الأوقات: أيهما التسجيلي وأيهما الروائي؟ ومن يقرر ذلك؟".

بالنسبة ليوري ايفنز Joris Ivens بدأت أول مرحلة من عمله في البحث عن تعبير وحلول شكلية كانت تشغله  بإلحاح: "وصلت في بحثي عن الشكل إلى حدود واجهني عندها السؤال: ماذا أريد إيصاله عبر الصورة التسجيلية من مضامين ومواقف؟ ماذا أرى وكيف أتعرف إلى ما هو جديد وما هو الشيء العميق الذي يشغلني؟ هنا بدأ المنهج يتحول. وربما بدا لي وقتها يتضح ما هو المنهج".

لنعد إلى أصل المسألة وهي تتعلق بالحكايات التي يحكيها الفيلم التسجيلي/اللا خيالي والفيلم الخيالي/التمثيلي.

يصف عالم الأدب الألماني كارل ايبل الإنسان بأنه "حيوان شاعر" يتناول ظواهر العالم المحيط بنا ويحولها إلى حكايات.

يرى كراكاور أن الحكايات تختلف في طبيعة الجنسين التسجيلي والخيالي: الأول يبحث عن حكايات واقعية لا يجوز لأحد اختلاق حبكتها بل تكتشف من الواقع نفسه. والثاني يبحث عن حكايات خيالية تعتمد على حبكة مختلقة
كيف نحكي؟
كانت إذن الحكايات منذ البداية بمنزلة ديوان المجتمع البشري لأنها تعالج مغزى سؤال الوجود وتعبر عن الذاكرة الجمعية: فالأساطير والخرافات والحكايات الخيالية والأمثلة والدراما والملاحم تحكي كلها حكايات. وإلى حد بعيد لا توجد حكاية واحدة تصف العالم كما هو في الواقع إنما هي انتقاء، تغيير، اختزال وتكثيف يتناول السارد فيها الواقع وفقا لوسائل تعبيرية معينة. وتبقى المسألة المهمة: كيف يحكي كل وسيط حكاياته؟ بمعنى كيف يحكي الفيلم الخيالي واللا خيالي حكاياته؟

يرى كراكاور أن الحكايات تختلف في طبيعة الجنسين التسجيلي والخيالي: الأول يبحث عن حكايات واقعية لا يجوز لأحد اختلاق حبكتها بل تكتشف من الواقع نفسه. والثاني يبحث عن حكايات خيالية  تعتمد على حبكة مختلقة.

يمكن أن يقال إن الروائي/الخيالي يحتوي أيضا على جوانب تسجيلية كما يقول منظر الفيلم التسجيلي بيل نيكولس Bill Nichols "لأنه "يسجل" أيضا أحداثا درامية ويحقق شكلا تسجيليا بناء على رغبة-فيلمية كاملة لمؤلفه أو مخرجه أو لشركة إنتاجه وإن هذا التحقيق يسجل أيضا الحكاية التي لا تأتي من عدم إنما نتيجة لتجارب ومفاهيم واقعية معينة".

يمكننا القول -حسب نيكولس- إن "كلّ فيلم خيالي "يسجل" ما يؤديه ممثلوه". وبالمقابل "يسجل" الفيلم اللا خيالي حكاياته الواقعية التي يعثر عليها مخرجه في عالم نعيش فيه ولا يكون أبطالها ممثلين يَتْلون نصا، إنما أشخاص يجسدون أنفسهم ويتحدثون بأسمائهم.

المصدر : الجزيرة