حميد بن عمرة 

يقول المهندس المعماري الفرنسي لوكوربيزييه Le Corbusier  "البناء تماسك للجدران. الهندسة، انفعال جمالي". إذن لا توجد هندسة معمارية من دون بناء، لكن هناك بناء من دون هندسة.

السينما، هندسة وبناء. الحجر فيها لقطة والهندسة هي وضع اللقطة بفضاء معين وتوجيهها إلى زاوية معينة. إن تماسك اللقطات ببعضها ضمن شكل هندسي يعطي للشريط قالبا فنيا مميّزا.

السينما فن مصرّف للمضارع، لذلك التركيب فيه آلية استحضار الزمن وتعليب أجزائه في قوالب يستوي فيها المستقبل القريب والماضي البعيد. فهل التركيب فن التلاعب بالزمن وتمديد أو تقليص ديمومته؟

للقطة زمن نفساني يعد وعاءً لساعات وأيّام تمّ صهرها داخل إطارها. يكفي أن نصوّر جرس الاستيقاظ لعامل يقوم من نومه وأن نركّب بعد هذه اللقطة جرس المعمل بنهاية اليوم حتى نفهم تلقائيا أنه قد قضى يوما كاملا بما يستوجب ذلك من وجبة واستراحة ونقل.

وإن عكسنا ترادف اللقطتين صار المفهوم مختلفا ليتحوّل إلى كابوس حلم لكرهه لعمله.

هل التركيب فن الإيحاء أم إنه مجرّد مبتدأ وخبر؟

لوكوربيزييه: البناء تماسك للجدران. الهندسة، انفعال جمالي (أ.ب)

نسيج التركيب
إن السينما لا تسجِّل العالم لحفظ نسخة منه بل تستعير منه أدوات لتقص بها حدثا معينا. فالتركيب نسيج هُندِست خيوطه للمسك بالمشاهد والتّوغل إلى باطن ذهنيته.

التجارب الأولى للتركيب في بداية السينما ضروريٌ الإلمام بها، لكنها ليست موضوعنا بالتحديد أكثر من كوننا بحاجة لاستجواب هذه المفاهيم والنظريات من جانبها الفلسفي والنفساني.

إذا كانت أسس التركيب سوفياتية الابتكار فهل من المعقول تطبيق خصائصها على السينما العربية المختلفة العقيدة والسياسة عن أجواء الثورة البلشفية؟

إن التركيب ليس انتقاء لعدد من اللقطات لجمالها أو ندرة مضمونها، بل إنه المحرك الباطني للسرد السينمائي الذي من خلاله يكون للوتيرة مفعول على انتباهنا.

إننا بحاجة للوقوف أمام نقاطه وفواصله وعلامات استفهامه والتركيز على لغة تُقرأ حروفها ولا تُكتب حتى ندخل بجوف الماهية الفيلمية.

فهل عملية التركيب تساهم في هضم الأفكار المطروحة للمشاهد أم إنها تتعامل معه كطفل يحتاج أن نمسك له الملعقة؟

القول والصورة
يقول أورسن ويليس  Orson Welles إن أهم شيء بالسينما هو ما نقوله وليس ما نظهره. كأنه يفرّق بين العمل ونيّته أو يلوّح إلى الظاهر والباطن في الفيلم.

إن التركيب في أفلام الدعاية التجارية لا يكشف لك عن بضاعة ما، بل يخلق لديك رغبة امتلاكها. هذا النوع من التركيب يخلق بضاعة للزبون كما يخلق زبونا للبضاعة في آن واحد
إن التركيب في أفلام الدعاية التجارية لا يكشف لك عن بضاعة ما، بل يخلق لديك رغبة امتلاكها. هذا النوع من التركيب يخلق بضاعة للزبون كما يخلق زبونا للبضاعة في آن واحد.

هل أهمية أقوالنا تنحدر من نوع الكلمات المستعملة أم إن ما نرمي إليه كاف للإفصاح عن نيّة أقوالنا؟

التركيب روح الأسلوب والعمود الفقري لبقاء الفيلم قائما بذاته.

هل التركيب وسيلة ذكيّة يحتال بها المخرج على الرقابة أم إن الرقابة تفرض نموذجا يتحاشى به المخرج المواضيع المحظورة؟

يمكن القول إنه نوع من تداعي الأفكار الموجّه. إن علاقة اللقطة بمرادفتها قد تكون علاقة تصادم وتناقض مثلما هي خطوة تسبق الأخرى على طريق يسلك فيه المشاهد نهجه رويدا رويدا.

اللقطة غالبا ما يكون حجمها وإطارها مقرّرا مسبقا، لذلك يكون المصوِّر الملم بمبادئ التركيب منتبها أثناء التقاطه للصور أن تكون مادته لا يعسر تركيبها. فهل بإمكان المركّب أن ينقذ تصويرا رديئا أو أنه قادر في نفس الوقت أن يكسر فيلما صوِّر بمهارة؟

الإيقاع في التركيب
وقبل التطرق للإيقاع في فن التركيب لا بد من التذكير بأهمية مدة اللقطة. في بداية السينما كانت هذه المدة مرهونة بطول الشريط الممكن احتواؤه بمخزن الكاميرا.

فإذا كان التركيب انصهارا للحركة وتقطيرا للزمن، فهل بإمكانه الوصول بنا إلى جوهر الفكرة المصوّرة من خلال قواعد تستلهم جذورها من قواعد لغتنا العربية؟

هل يصحّ القول إن التركيب هو فن الكناية وأن إيجاد إيقاع سينمائي ينطلق من موازين بحور الشعر العربي وأساليب النثر المختلفة؟ هدف مستعجلٌ الوصولُ إليه حاليا.

يقول ڤودار  Godard إن "في السينما ما هو مرئي وما هو خفي. إن اكتفيت بتصوير المرئي فالتلفزيون يقوم جيدا بهذه المهمة"، وأعتقد أنه يتحدث عن الصورة الذهنية الموّلدة من تصادم لقطتين.

إن لقطة الخبز المتبوعة بلقطة لوجه شاحب توحي إلى الجوع والفقر ولقطة أطفال بهندام رث والمتبوعة بلقطة أسلاك شائكة توحي إلى معتقل أو سجن ولقطة علم مرفرف متبوعة بلقطة لجمع من الناس قد توحي إلى وطنية وحب لهوية جماعية.

يقول ڤودار Godard إن "في السينما ما هو مرئي وما هو خفي. إن اكتفيت بتصوير المرئي فالتلفزيون يقوم جيدا بهذه المهمة"، وأعتقد أنه يتحدث عن الصورة الذهنية الموّلدة من تصادم لقطتين

فالجوع والفقر والمعتقل والسجن والوطن صور ذهنية مجردة لا وجود لها كمادة تدخل عبر العدسة.

هل الإيقاع هو تزامن اللقطات مع نغمة موسيقية أم إن الموسيقى يلزم كتابة نوطاتها حسب إيقاع الصور المطروحة؟

هل الفيلم يستعمل الموسيقى حلية تُضيف للقطات بهاء أم إنه يستعملها قناعا يخفي به ضعف الصور؟

لكن هناك استعمالا آخر للموسيقى كعنصر روائي مثل وجودها بفلم "كان ذات مرة في الغرب" لسرجيو ليون Sergio Leone .

لقد ربط المخرج بطله برنين مزمار يعزف عليه لدرجة أننا بمجرد سماع نغمة المزمار نستحضر ذهنيا وجه البطل رغم غيابه على الشاشة، وكرّر هذا الفعل مرات حتى صار هناك نوع من اجترار الصور، ولم يكن هذا إلا لخدمة حبكة درامية سهلة القراءة.

إن الإيقاع أو الوتيرة أمر موجود حتى في كرة القدم أو الملاكمة، ليس عدد اللقطات السريعة كافيا،  لإحساسنا بالقلق وليست اللقطة/المشهد كافييين لنشعر بالهدوء؟

هتشكوك والحبْل
الإيقاع بالموسيقى الكلاسيكية الأوروبية غالبا ما يخلو من الدف أو الطبول. نوطات الفصول الأربعة للإيطالي فيفالدي نموذج هام لإدراك علاقة النوطة ببعضها والإيحاء الدقيق الذي تفرضه كل آلة بمفردها وبعلاقتها بالآلات الأخرى.

مثال فيلم الحبل لهتشكوك Hitchcock يعتبر نموذجا استثنائيا المعروف بكونه صوّر بلقطة واحدة إلا أنه لم يصوّر بلقطة وحيدة الزاوية ووحيدة الإطار، بل تنقلت الكاميرا باستمرار من ممثل إلى آخر يعد نفسه تغييرا للقطة دون قطع الشريط من النقطة ألف إلى النقطة باء.

فيلم الحبل يحتال على المشاهد إذ يجعل منه شاهدا مشاركا حيث استعمال الكاميرا بهذه الطريقة يحولها إلى كاميرا ذاتية كأنها نظرتنا الشخصية.

مدة اللقطة غالبا ما تفرض عمقا معنويا يغير مدة اللقطة الموالية حتى وإن كان زمنها الحقيقي أقل أو أطول من سابقتها.

عندما تكون أمام لوحة زيتية فإنك أنت الذي تفرض مدة المشاهدة، أما بالسينما فإن المركّب-المخرج يفرضان على المشاهد زمن المشاهدة.

اللون الأحمر مثلا هو أحمر في المطلق، لكن هل هذا الأحمر يقلّ أو يزيد حمرة أمام أزرق سماوي أو رمادي رصاصي؟

هل وجهك هو نفسه عندما تمشط شعرك خلفا أو لا تمشطه مطلقا؟

أورسون ويليس: إن أهم شيء بالسينما هو ما نقوله وليس ما نظهره (أ.ب)

تجرية كولوشوف
إن تجربة كولوشوف Kouléchov التي تحمل اسمه تجربة الممثل الذي طُلب منه ألا يؤدي دورا وأن يمكث حياديا دون أي تعبير والذي بدا باهرا في أدائه عندما أضيفت إلى لقطة وجهه لقطة امرأة جميلة ولقطة طفل ميت ولقطة مائدة عشاء.

فالمشاهد كان يدرك فكرة الحب وفكرة الحزن وفكرة الجوع رغم أن الممثل كان ثابت الملامح دون أي وجوم أو انشراح في الوجه، ثم طور التجربة إذ صور بلقطة ثابتة جنديا يطلق النار برشاش. اللقطات التي تلت كانت على نفس وتيرة الرصاص المُطلق.

كان المشاهد يُوهم بسماع صوت الرشاش علما بأن السينما آنذاك كانت من دون صوت.

التركيب يحدث إيقاعا يعطي للفيلم شكلا هندسيا سري الخطوط كما يحدث أصواتا صامتة لا تسمع بالآذان.

إنه بناء لأفكار وشاعرية تخاطب قلب الإنسان مباشرة. فالتركيب كناية وخبر ومفعول مطلق ولحن وإعراب لخيال المخرج وحساسيته.

المصدر : الجزيرة