مهند صلاحات

كل ما يعرض على شاشات التلفاز أو السينما نراه معكوسا، لكننا غالبا لا نفكر بهذا أو حتى لا نشعر به، لكن في الفيلم التسجيلي البولندي القصير "الجانب الأيسر من الوجه" لا بد أن نفكر بهذا على الأقل طوال عشر دقائق متواصلة والتي هي مدة الفيلم كاملة، ونحن نشاهد على الشاشة إضاءة على النصف الأيمن لوجوه متعددة تتحدث مباشرة للكاميرا.

بلا شك أهم ما يمكن أن نراه في هذا الفيلم أنه نجح في إسقاط الرؤية الموضوعية التقليدية وظهرت بدلا منها الرؤية الذاتية للسينمائي الذي يقف وراء الكاميرا، ويظهر بنفسه في لقطات الفيلم

نحن نعرف مسبقا أن المخرج مارسن بورتكيفتش (Marcin Bortkiewicz) -وهو أيضا كاتبه ومصوره- يقدم لنا مشروعا تسجيليا تجريبيا جديدا بالأبيض والأسود، يضيء فيه الجانب الأيسر لوجوه أشخاصٍ نراهم نحن المتلقين على الشاشة الجانب الأيمن لوجوههم.

تبدو الفكرة جديدة ومثيرة للفضول، خاصة إذا عرفنا أن هذا الفيلم هو جزء من مشروع مستمر ينوي المخرج العمل عليه على مدى عشر سنوات، حيث سيعود مرة أخرى ليلتقي نفس الأشخاص بعد تلك السنوات، ويضيء الجانب الأيمن لوجوههم، ويعيد طرح أسئلة مختلفة عليهم عن تلك التي طرحها في اللقاء الأول.

الزمن والوجه
للفيلم ثيمتان أساسيتان اعتمد عليهما المخرج في هذا الشكل التجريبي الجديد بفيلمه الذي يترك فيه المساحة الكاملة للمشاهد لاختيار طريقة تلقيه للمعلومة، هما الوجه والإحساس بالزمن، لكون ما نراه اليوم قد لا يتغير غدا أو بعد عشر سنوات. لكن نظرتنا له وتطور أفكارنا حوله ربما ستجعله مختلفا.

لذلك ومنذ العام 2010 حين باشر المخرج بورتكيفتش جولته من خلال استوديو متنقل عبر عدة مدن بولندية وحتى سنة 2013 سنة إنتاجه، جعل من الزمن العنصر المشترك بين اللحظات العفوية التي التقطها لهؤلاء الأشخاص الذين التقاهم من كلا الجنسين ومن فئات عمرية مختلفة من الطفل حتى العجوز، خالقاً جدلية مترابطة حول الوجه والزمن، وكيف نشعر بكل واحد منهما، وما الفرق بينهما، وكيف يشعر بهما أشخاص تتفاوت أعمارهم بدرجة كبيرة.

تبدو التجربة جريئة جدا، ولا يمكننا الرهان على أكثر مما نرى أمامنا الآن على الشاشة بالفيلم، بمعنى أننا لا يمكن أن نراهن على التجربة الكاملة المستمرة لعشر سنوات. فهذه الجرأة تمثلت في تغييب عناصر كثيرة تعتبر من أساسيات الفيلم التسجيلي الكلاسيكي مثل بناء الشخصية وتطورها، والتعليق الصوتي، والموسيقى المصاحبة التي تمنح تأثيرا عاطفيا وتصنع بعدا دراميا أو ترفع من الإيقاع الدرامي نفسه للفيلم، وتخلق أجواء التشويق.

غاب أيضا استخدام القصص التي تتدفق داخل الفيلم وترويها الشخصيات في مقابلات مصورة، بحيث تساهم تلك العناصر الغائبة عادة في صناعة التصاعد الدرامي عند لحظات مختلفة. إلا أن هذه العناصر المساعدة غابت هنا، وهذا ما قد يضع الفيلم في اختبار خطير قد يؤدي لفشله أو على الأقل إدخال المتلقي في أجواء الملل.

تركيز مكثف في الفيلم على عنصر الزمن وتفاوت الإحساس به (الجزيرة)

إخراج ناجح
في حين نجحت جرأة المخرج بإخراج الفيلم من إشكالياته ووضعته أمام هذا الشكل الجديد، وجذب انتباه المتلقي، عبر التركيز المكثف طوال وقت الفيلم على عنصر الزمن وتفاوت الإحساس به، بناء على تفاوت عمر الشخصيات التي تظهر غالبا في لقطات قريبة "كلوز أب" تتحدث مباشرة للكاميرا، ليشد تركيز المتلقي حتى اللقطة الأخيرة بسلاسة، فيبدو الفيلم وكأنه مشهد واحد طويل متصل متعدد اللقطات، لحياة واحدة في مراحل متعددة. كما يغيب أيضا استخدام زوايا الكاميرا، المرتفعة أو المنخفضة، ليجعلها مركزة غالبا في اللقطات القريبة (كلوز أب) ضمن استثناءات بسيطة.

قد لا ينال الفيلم استحسان النقاد الكلاسيكيين، وقد يراه البعض مستندا إلى رهان على المجهول القادم. فلا أحد يستطيع التكهن اليوم بشكل السينما التسجيلية بعد عشر سنوات. لكن بلا شك أن أهم ما يمكن أن نراه في هذا الفيلم أنه نجح في إسقاط الرؤية الموضوعية التقليدية وظهرت بدلا منها الرؤية الذاتية للسينمائي الذي يقف وراء الكاميرا، ويظهر بنفسه في لقطات الفيلم أحيانا كي يلفت الأنظار إلى ما يريد أن يتجه تركيز المشاهد إليه.

المصدر : الجزيرة