نبيل عجان

كيف يمكننا إعادة استخدام المواد والأشياء المتوافرة وتغيير وظائفها لابتكار أشكال سكن جديدة؟ ما الأشكال المختلفة للسكن التي ما زالت تخضع لمحددات اجتماعية واقتصادية وبيئية وعمرانية متنوعة؟ وكيف ستصبح طبيعة البيوت وفق معايير مبتكرة تأخذ في الحسبان الاحتياجات الضرورية للإنسان؟

ما معنى البيت؟ وما وظائفه؟ وكيف تغير هذا المعنى عبر الزمن؟ وما الأمكنة التي يمكن أن يحتلها البيت وفق معايير تتوافق مع البيئة ومع الإنسان في آن؟ كيف سيكون الشكل المستقبلي للسكن؟

حاول المخرج يسبير فاخمايستر Jesper Wachtmeister الإجابة قدر الإمكان على هذه الأسئلة في فيلمه التسجيلي "البيوت الصغيرة"  MICROTOPIA  (52 دقيقة) من خلال رصد وجهات نظر وتصورات وابتكارات وتصاميم تسعة معماريين وفنانين وأشخاص عاديين انتقاهم من آفاق مختلفة ليقدموا لنا رؤيتهم عن المساكن المستقبلية.

آنا روفاكوفيكز فنانة من مونتريال-كندا جعلها الانتقال من بلد إلى آخر والتكلم بعدة لغات تتساءل "أين بيتي؟ إلى أي مكان أنتمي؟

ميكروتوبيا
كلمة MICROTOPIA لا وجود لها في القواميس، فهي مزج بين كلمة ميكرو أي صغير وتوبيا وهي كلمة ابتكرها المخرج من يوتوبيا أي شيء مثالي أو  طوباوي ليوحي لنا بأن العالم المثالي المتخيل هنا هو عالم يتألف من مساكن صغيرة وأحيانًا متناهية الصغر،  تسهل حياة الإنسان أو على الأقل تجعله يعيش في بيئة أقل تعقيدا من البيئة التي يعيش فيها حاليا.

يبدأ الفيلم بإطلالة على منظر طبيعي مكون من طريق طويلة تحددها مجموعة متناسقة من الأشجار على الطرفين وتمتد بحركة سريعة بعض الشيء إلى الأمام مما يدل على أن الكاميرا التي تصور موجودة في سيارة تتقدم وكأنها تسير نحو وجهة لا يمكن بلوغ نهايتها، طريق لا متناهية من المفروض أن تفضي إلى مستقبل أفضل وأجمل. والغزال الصغير الذي يخترق الطريق راكضا يوحي إلينا بمحاولة إيجاد قاسم مشترك بين البيئة والإنسان.

تتساءل جنيفر سيغال Jennifer Siegal المعمارية من لوس أنجلوس عن شكل المعيشة المستقبلية. فبنظرها الإنسان لا يستسيغ الاستقرار فهو بطبيعته يحب التنقل باستمرار من مكان إلى آخر على غرار البدو الرحل.

تتصور جينيفر بنى متحركة فتستخدم مقطورة شاحنة مغلقة وتلصقها بمنزلها لتزيد من مساحته بعد تزويدها ببعض النوافذ. ومن ثم ترينا بنية مسبقة الصنع حولتها إلى مسكن ووضعتها وسط الصحراء، وبذلك استطاعت أن تفتح المسكن الصغير على فضاء مترامي الأطراف من الناحية البصرية، مما أضفى بعدا إضافيا على البنية التي هي مغلقة في الأصل. تريد أن يعيش المرء بخفة وأن يتحرر من الأغراض التي يمكن أن يزدحم بها المسكن.

الجميل الضروري
وفي المقطع الثاني ينقلنا المخرج من الصحراء إلى المحيط مع جاي شيفير Jay Shafer من غراتون في كاليفورنيا الشمالية الذي يبدأ حديثه قائلا "الجميل هو الشيء الضروري وحين يكون الشيء ضروريا تكون له حيويته الخاصة".

استطاع المخرج أن يدخلنا بسلاسة في أجواء هذا الفيلم الذي يعتمد على أفكار مبتكرة قد تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن الواقع، خاصة أن المساكن المقترحة لا تتسع في مجملها سوى لشخص واحد مما يغيب تماما فكرة الحياة العائلية

وفي المقطع الثالث يكلمنا ريشار سويا Richart Sowa وهو فنان إنكليزي كان يعيش في منطقة صناعية مما حثه على إيجاد حلول عملية للتلوث البيئي بدأ يفكر بها منذ كان في الثلاثين من عمره حين سيطرت عليه الأفكار الروحانية والرغبة بإيجاد حلول بيئية للتلوث.

يعيش الآن في  مكسيكو حيث بنى جزيرة صغيرة وبيتا صغيرا عليها  مستخدما مواد أعاد تدويرها كالقواعد الخشبية المستخدمة في تحميل السفن ثبت في أسفلها عبوات بلاستيكية. والشيء المذهل أن الطبيعة تآلفت مع قاعدة هذه الجزيرة وغلفتها بالمرجان مع مرور الزمن. أراد استخدام النفايات لخلق حديقة تطفو على الماء.

أرستيد أنتوناس Aristide Antonas معماري من أثينا يقول إن ما نراه من المدن هو صورة عنها لا تتلاءم مع وظيفتها الحقيقية. وهذه الصورة تعكسها لنا ثقافة حقبة ما بعد الإنترنت التي نعيش فيها، وهي أن نخلق مجموعة من وحدات مجزأة ومنفصلة. ابتكر وحدات سكنية تتألف كل واحدة من غرفة متحركة مرتفعة يمكن التحكم بتوجيهها، منعزلة عن الغرف الأخرى ومن دون سقف. وهي ذات بنية مفتوحة تحملها رافعة وتطل على مناظر خلابة. تصبح الطبيعة كالصور المتتالية التي تتحرك على شاشة عرض.

جون ويلز John Wells من تكساس كان مصورا محترفا لعشر سنوات، يتساءل عن عدد الغرف الذي يحتاج إليها. كان يقول إنه سيصبح ناسكا حين يتقدم في السن، فعاد إلى الحياة الطبيعية. نراه يعطي الحليب لعجل صغير، وهذا المشهد على غرار كثير من مشاهد هذا الفيلم يزيل الحاجز بين الفيلم الوثائقي والفيلم التسجيلي.

وقد بنى كل شيء بنفسه، البيت والحديقة المغلقة. كما جهز مجموعة من خزانات الماء. يرغب أن يعيش نمط حياة مختلفة، حياة بسيطة، حرا من دون قيود. لا يربطه بالعالم المتحضر سوى خط هاتفي واشتراك بالإنترنت. ويقول نحن نحتاج في هذا العالم لشيئين أساسيين، الإنترنت وملجأ حيث نستطيع الخلود إلى النوم.

في باريس
أما ستيفان مالكا Stéphane Malka المعماري من باريس فيبدأ المقطع بلقطة بانورامية لمنطقة لا ديفانس La Défense في باريس مع أبراجها ونمط العمارة الحديثة التي تتميز بها.

في عمق المشهد نرى مبنى لا ديفانس المميز حيث أقام مالكا في داخله تجهيزا من تركيبات مسبقة الصنع ملونة. يقول إن العلاقة مع المسكن عاطفية، بمعنى أن المسكن يحتوي على الأشياء التي نضعها فيه وهي تخزن ذكرياتنا. تجول الكاميرا في باريس حيث نرى الرسوم على الجدران التي كان مالكا ينفذها في العام 1987. وتلتقط صورا جميلة لسطوح المباني الباريسية الشهيرة.

دري وابينار Dré Wapenar فنان من هولندا يبتكر نوعا من الخيمات التي يعلقها على الأشجار ويمكن أن يقيم فيها مناصرو البيئة المحتجون على قطع الأشجار. يخلق فضاء في وسط اللامكان، وهذه المساكن المعلقة تشبه الشرانق حيث يمكن للنائم فيها أن يشعر بالطمأنينة والسلام. الغابة رائعة ويخيم عليها الهدوء التام.

إيون سورفين Ion Sorvin فنان ومعماري من الدانمارك يبدأ بالحديث عن قوى القمع في المجتمعات وكيف يمكن التحايل عليها من خلال تعود العيش في مساحات ضيقة. الجو بارد وهنالك قوارب وماء وثلج. يدحرج مسكنه أمامه، وهو عبارة عن صندوق أسطواني يمكن حتى استخدامه قاربا استوحاه من مساكن الإسكيمو. يتميز بأنه متحرك ومؤقت يضعه على الرصيف فيجلب الفضوليين. يريد التحرر من النظام الاقتصادي ومن القروض المصرفية. فيبتكر البيت الذي يسير على أقدامه الأربعة.

البداوة والوطن
آنا روفاكوفيكز Ana Rewakowicz، فنانة من مونتريال-كندا، جعلها الانتقال من بلد إلى آخر والتكلم بعدة لغات تتساءل "أين بيتي إلى؟ أي مكان أنتمي"؟

جميع "أبطال" هذا الفيلم إذا صح التعبير انطلقوا من مشاغل حقيقية فردية تعكس هموم البشرية بأسرها في ما يتعلق بالناحية الاقتصادية والبيئية خاصة

تشغلها فكرة الملجأ أو مكان الانتماء، فتبتكر البيت الذي يمكن ارتداؤه كالكيمونو الياباني. يفتح السفر أعيننا على الاختلاف ويجعلنا أكثر تسامحا.  تؤيد فكرة البداوة وترفض فكرة أرض الوطن. أنت محمي ومنعزل في هذا البيت الذي تلبسه، ولكن في الوقت نفسه تبقى جزءا من البيئة المحيطة بك. البيت هو في كل مكان، هو في المكان حيث تكون.

استطاع المخرج أن يدخلنا بسلاسة في أجواء هذا الفيلم الذي يعتمد على أفكار مبتكرة قد تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن الواقع، خاصة أن المساكن المقترحة لا تتسع في مجملها سوى لشخص واحد مما يغيب تماما فكرة الحياة العائلية.

جميع "أبطال" هذا الفيلم إذا صح التعبير انطلقوا من مشاغل حقيقية فردية تعكس هموم البشرية بأسرها في ما يتعلق بالناحية الاقتصادية والبيئية خاصة. ومن خلال تجاربهم الخاصة، أرادوا معالجة مسائل حالية وملحة قد يكون لها مخاطر على مستقبل الحياة البشرية، مقترحين حلولا قد يصعب تعميمها على أرض الواقع وإن استطاعوا تنفيذها على نطاقهم الشخصي، على كل حال هذا ما يحيلنا إليه عنوان الفيلم أي عالم مثالي ميكروي.

وتبقى فكرة الحرية هي التي تسود في آخر المطاف، فالإبداع فعل حر خالص. كان جان جاك روسو على حق حين قال "الواقع له حدوده ولكن الخيال لا متناه".

المصدر : الجزيرة