شارلوت جانون

الفيلم التسجيلي "أرض الحرية" للروسي ألكساندر كوزنيتسوف (Alexandre Kuznetsov) الذي اختير للقائمة الرسمية في مهرجان رؤى الواقع (Visions du Réel) في نيون (Nyon) السويسرية هذه السنة وتستغرق أحداثه (68 دقيقة) يحاكي الأغاني الروسية التي ترافقه من البداية إلى النهاية: يتكلم عن اليأس قليلا، وأكثر من ذلك عن الفرحة، والصداقة، والحب. 

تقع ستولبي (Stolbys) -وهي محمية طبيعية- على بعد بضعة كيلومترات من كراسنويارسك (Krasnoïarsk) في سيبيريا وتستضيف -منذ أكثر من مائة عام لمدة أيام معدودة أو لبضعة أسابيع-  أشخاصا يسعون إلى الابتعاد عن قمع الدولة من خلال العودة إلى العيش وسط الجبال والغابات.

يذكرنا أحد أبطال هذا الفيلم بأن لا أحد يستطيع الحفاظ على بقائه في سيبيريا بمفرده، هنالك دوما اعتماد ما على الآخر، والطريق إلى الحرية محفوف بالمخاطر
هؤلاء هم "الستولبيون" متسلقو جبال لا مثيل لهم، مفكرون ومحبون للحياة، يتبعهم المخرج في فيلم عائلي لحد ما، حيث تتأرجح الكاميرا بين المشاهد العظيمة لطبيعة برية وحرة، ومشاهد مدوخة لبشر صغيري الحجم يتسلقون صخورا عمرها آلاف من السنين، وصور حميمة، أقرب ما يمكن من الأشخاص ولهاثهم وكلامهم ونظراتهم.

حرية مستعادة
هؤلاء الناس، هؤلاء الأصدقاء نراهم يغنون، يطبخون، يلهون، يقطعون الخشب، يتكلمون في السياسة، وعن الحرية بمزيج من عدم المبالاة والجدية لأن هذه الحرية المستعادة غير دائمة، كما تذكرنا بذلك هذه الصورة الرائعة في منتصف الفيلم لطبيعة شاسعة تمتد وراءها المدينة، وهي أوسع منها مع ألوانها الاصطناعية التي تمزق المقاطع اللطيفة التي صورت في المحمية الطبيعية، وحرارة هذه المساكن الفلاحية الخشبية التي ينيرها ضوء الشموع.

نكاد نستنشق رائحة الطعام المدخن والخشب المحروق، يدخل المخرج في الفيلم صورا لعدة استعراضات التقطها في المدينة، تظاهرات على التوالي، دينية، وسياسية، و"ابتهاجية"، وهي مرعبة جراء طابعها الحزين، والمنتظم، والمتصنع.

يقول أحد الستولبيين مستشهدا بالكاتب الروسي فيكتور أستافييف (Victor Astafief) "بالنسبة للشعب الروسي، الحرية التي تنضح بمفاهيم الخير والشر المنزاحة والأخلاق المترنحة هي موس بيد طفل".

أليس هذا ما تقوله هذه الصور كما يبدو؟ هؤلاء الناس الذين يتظاهرون في حشود يعانون من شدة الوحدة على خلاف مجتمع الستولبيين بتعداده القليل ولكن المتضامن، حريتهم بالتظاهر هي وهمية إذ إن الدولة تؤطرها تماما، في حين لو أن أصدقاءنا لا يتظاهرون لكانوا أحرارا مؤقتا بكلامهم وأفعالهم.

يتضمن المشهد الذي يصور عيد الغطاس الأرثوذكسي مثالا صارخا على هذه الرؤية المزدوجة للشعب الروسي: الجو في المحمية جو عيد، نرى رجالا ونساء يتعرون ويغطسون في المياه الباردة ويصيحون صيحات فرح، ويتعالى الضحك، وفي المشهد التالي نرى الاحتفال بالعيد ذاته، ولكن في هذه المرة آلاف من الناس تحيط بهم الشرطة يقفون في صف للغطس في الماء من دون أي صوت.

أُغطس صبي صغير عنوة إلى حد ما، ويبدو أن البرد شل حركته.

هاربون من الدولة إلى جليد سيبيريا (الجزيرة)

الفكرة الهشة
خطاب الفيلم -مع ذلك- ليس بسيطا، لا يضع المخرج في المواجهة الكتلة البشرية المكونة من سكان المدينة المستعبدة والستولبيين الأحرار والسعداء، ففكرة الحرية المرسومة على قمة إحدى صخور المحمية هشة، كما يذكرنا أحد أبطال هذا الفيلم، لا أحد يستطيع الحفاظ على بقائه في ستولبي بمفرده، هنالك دوما اعتماد ما على الآخر، والطريق إلى الحرية محفوف بالمخاطر.

 نرى في بداية الفيلم فتاة صغيرة تقوم للمرة الأولى بتسلق صخرة من صخور المحمية، وهذا المشهد ذو الحدين رائع.

لدى هذه الطفلة الفرصة بالارتقاء، وأن تدحر خوفها وتذهب أبعد من حدود إمكاناتها لتشعر بأنها قوية وحرة، يبدو مصيرها مثيرا للغيرة أكثر من مصير الشابات اللواتي نراهن يرقصن، وعلامات السرور مرسومة على وجوههن في مشهد الاستعراض العسكري الذي يلي ذلك، ولكن في الوقت ذاته تثير هذه الفتاة الصغيرة فينا مشاعر الخوف من أجلها، فهي تبدو غير واثقة بنفسها، ونتساءل لماذا لا يأتي والدها لمساعدتها، هل عليها أن تتألم للحصول على حريتها؟ هل من الضروري أن نضع أنفسنا في موضع خطر لنكون أحرارا؟

 الفيلم لا يعطي أجوبة، ولكن حين تبلغ الفتاة أخيرا القمة وحين نراها وحدها، منتشية وتحيط بها السماء، من الصعب أن نفكر بأن ذلك لا يستحق هذا العناء، وهنا يكمن جمال هذا الفيلم التسجيلي كله وقوته كلها، لا ينظر بل يراقب، ولا يسعى إلى تمجيد وضع الستولبيين، ولا يقدم حلولا بل يقدم لنا نفحة من الحب والإنسانية، لدرجة أننا بعد مشاهدة الفيلم تبقى لدينا الرغبة في الغناء وفي عيش الحياة حتى الثمالة، على غرار هذه الثلة من الأصدقاء.

المصدر : الجزيرة