زكريا جابر

كابوسا كان أم حلما، على أي حال يُعتبر التطوير في الحمض النووي خطوة عملاقة في أقل من مائة عام نحو تربية أجيال من النوابغ والتطور العلمي، أو نحو بداية انهيار الإنسان والإنسانية.

هل سيستعمل الاستنساخ من أجل معدل ذكاء أعلى والتعايش مع عصر السرعة أو سيستعمل لخلق جيوش ستكمل المسيرة العنيفة بالقتل والتدمير عالميا؟

تعلمت بريتجي فان دير هاك الرقص والعلوم السياسية والعلوم الاجتماعية بأمستردام. هي مخرجة أفلام تسجيلية وصحفية هولندية منذ العام 1997، وقد تخصصت بالعمل التسجيلي الدولي بشؤون التغيرات الاجتماعية مع التركيز على الحياة الحضرية والعولمة.

هل سيستعمل الاستنساخ من أجل معدل ذكاء أعلى والتعايش مع عصر السرعة أو سيستعمل لخلق جيوش ستكمل المسيرة العنيفة بالقتل والتدمير عالميا؟

عُرضت أفلامها على الكثير من التلفزيونات والمهرجانات السينمائية والمعارض الفنية حول العالم وتشمل لاغوس واسع وقريب (2005)، وحلول السعودية (2006)، وكوينز القمر الصناعي (2007)، وغراند باريس: الرئيس والمهندسان المعماريان (2009 )، وحلم كاليفورنيا (2010)، وأعقاب الأزمة (2011)، وإنجيل الرفاهية (2013). ومن اللافت أن نذكر أنها كانت أول امرأة يسمح لها بتصوير حياة النساء في المملكة العربية السعودية في العام 2006. والآن تصدر فيلم أحلام الحمض النووي وتدخل بعمق العلم المخبأ وما يسمى محرما إنسانيا، ساحبةً كل وجهات النظر والحقائق العلمية من داخل مختبرات الاستنساخ في الصين في معهد علم الجينوم في بكين (بي. جي. آي) (B.G.I).

أسئلة
ماذا لو سمحت لكم الصلاحية بإنجاب من سيحمل اسمكم بعد مماتكم ويمكنكم اختيار جيناته وجنسه؟ أتختارون طفلكم كما هو أم تصممونه؟ ماذا لو استطعنا تحديد الجينات للذكاء البشري؟

إلى الصين. من يتحكم بالحمض النووي؟ من يطوره؟ ومن يزرع أنبوبا جديدا لتدمير البشرية؟ من يستعمل هذا العلم الحيوي لمستقبلٍ أفضل؟

يغوص الفيلم في كل ما يحتاج أن يعلمه المرء عن هذا الموضوع. واستكشاف أنماط الحياة ومعتقدات الجيل الجديد من العلماء الشباب في "بي.جي.آي".

الفيلم يتابع تشاو بوين البالغ من العمر 18 عاما، المتسرب من المدارس والتعليم، وزعيم "بي.جي. آي" مختبر علم الجينوم في بكين، الذي يستخدم أقوى أجهزة الحاسوب في العالم لتحليل الحمض النووي من ألفي طفل اعتبروا من صفة "الموهوبين" أو "النوابغ". وهدفه الرئيسي العثور على الأساس الجيني للذكاء.

في مختبر الاستنساخ التابع للمعهد الذي يترأسه تشاو بوين، يتابع مع زميلته البالغة من العمر 25 عاما لين لين فريق عملٍ مؤلف من 35 اختصاصي استنساخ يعملون على خلق خنازير من جميع الأحجام والأشكال.

متعمقةً وذات شغفٍ عالٍ بعملها في الاستنساخ كانت لين لين تعتبر كل الخنازير المستنسخة أو المصنعة كأطفالها، وتقول "تلك الخنازير أشعرتني بالأمومة التي لم أحس بها من قبل".

على مدى السنوات الأربع الماضية، قذفت "بي.جي.آي" نفسها إلى موقع الريادة على مستوى العلم الجيني والريادة في السلم العلمي الدولي، باستخدام الدعم الحكومي الإقليمي و1.5 مليار دولار في شكل قروض دون فوائد لشراء ما يقارب 130 آلة نسخ للحمض النووي، وأكثر من أي مؤسسة للأبحاث الجينية الأخرى في العالم.

وعمل المعهد ليس فقط بخرائط جينات البشر، ولكن أيضا بتطوير حياة وثمار النباتات والحيوانات، بما في ذلك الباندا. وطموحه هو تسلسل الحمض النووي لـ"كل شيء في العالم".

الإنسان الكامل
الإنسان الكامل المتكامل، الأذكى والأقوى والذي سيعيش أكثر لم يخلق بعد، يقول أحد العلماء "نحن لدينا مخلوقات وحيوانات مستنسخة أقوى وفعالة أكثر من الأصلية بعشرين مرة، لكننا لا نقول عنها إنها الأقوى لأننا دائما نسعى لإنجاز الأفضل".

الإضاءة البيضاء الفاتحة في الفيلم تشد المشاهد للعيش والغوص في النفسية التي يعيش فيها العلماء الذين يعملون في المعهد الجيني في بكين. الجدية، ثم الحيادية، ثم الواقعية. الألوان الثلاثة التي تصنع اللون الأبيض لا توجد إلا موحدةً، إن كان الأبيض قاتما في أماكن الصعود في مجرى الفيلم أو فاتحا بين تغيير الأماكن والشخصيات والمقابلات.

الهندسة الصوتية في الفيلم كانت من أهم مكوناته، حيث تتفاعل كل الأصوات ببعضها بانتظام وبنظافةٍ ووضوح بين التسجيل الداخلي (الراوي) والتسجيل الخارجي بين المقابلات والصوت في أماكن التصوير والموسيقى.
يقول أحد العلماء:
نحن لدينا مخلوقات وحيوانات مستنسخة أقوى وفعالة أكثر من الأصلية بعشرين مرة، لكننا لا نقول عنها إنها الأقوى لأننا دائما نسعى لإنجاز الأفضل

الإخراج والمونتاج والإدارة التصويرية وكل شيء مرئي في الفيلم كان مهنيا دون مبالغة، الدقة التصويرية وحركة الكاميرا مع الشخصيات تمر بسلاسة.

وبالعودة إلى مسألة الإضاءة، فمن الملفت أن نذكر أن هندسة الإضاءة كانت وبكل وضوح مدروسة مع تسلسل أحداث الفيلم، فكلما تحركت الكاميرا يبقى الضوء على ما هو عليه دون أن يسبب أي متاعب تقنية في الإنتاج.

هذا الفيلم التسجيلي يظهر علاماتٍ من المستقبل العلمي الذي بدأ يظهر ويتجسد في عالم العلم الجيني والتكوين "للإنسان الثاني، ويعتمد على بيانات بمثابة بداية التحول الأساسي في الإنتاج العالمي للمعرفة.
 
أحلام الحمض النووي، يثبت لنا وبالفعل أنه سيكون من حاملي الجوائزٍ العالمية قريبا.

المصدر : الجزيرة