زكريا جابر

"كان يا ما كان، بسالف العصر والأوهام، من زمان زمان زمان، لما دنيس بتحكي الكل بيسكت ولا حدا بينام". هكذا تبدأ دنيس جولتها في جلستها مع الأطفال التي تختص برعايتهم بحكاياتها.

ما أسهل الكلام، ما أصعب التعبير، وخاصة حين لا نجد مساحة لنتكلم والكثير من الأوراق البيضاء لنعبر. ما أسهل التعبير بصرخةٍ وأغنية، وما أصعب الكلام الموزون. لا مقاييس، فهي لا تكترث إن كان خيراً أو شراً ما سيحصل إن هي تكلمت.

"الحكواتية" فيلم تسجيلي يجذبنا بالفكرة التي يقوم عليها بصرف النظر عن العوامل والصعوبات التي أحاطت إنجازه وأعاقته في كثير من الأحيان.

دنيس أسعد (56 عاماً) متزوجة وأم لثلاثة أبناء، حاصلة على ماجستير في مجال تربية جيل الطفولة المبكرة من جامعة حيفا، بدأت مسيرتها هاوية منذ زمنٍ طويل، ثم تطورت بعد التدريب المكثف، وما زالت وحتى الآن تقدم أمسيات وعروضا وتشارك في مهرجانات ثقافية حول العالم كحكواتية محترفة.

"الحكواتية" فيلم تسجيلي يجذبنا بالفكرة التي يقوم عليها بصرف النظر عن العوامل والصعوبات التي أحاطت إنجازه وأعاقته في كثير من الأحيان

وادي الجمال
في جولةٍ مع ابنها المُقعد، يبدأ الفيلم بإثبات موقفٍ تتمسك به دنيس، يقود زوجها السيارة نحو منطقة عين هيام قرب حيفا، وتضع ورقتين على اللافتة التي ترحب بزوارها، الأولى مكتوب عليها "واد" والثانية "جمال"، بعد أن "فرض الإسرائيليون اسم عين هيام على منطقتنا التي كانت تسمى وادي الجمال، تقول الحكواتية دنيس.

أصل "الفن الحكواتي" من أفريقيا، ويتدرج في الحضارات الإغريقية والرومانية. فعلى مدار التاريخ، يُذكر أن الذي يسرد الحكايات يمكنه أن يقود جيشاً، فهو يعرف كل التاريخ وكل الأشخاص، لكن الحضارات الأفريقية تحتل المركز الأول بالحكواتيات النساء وسردهن للقبائل عما يحصل الآن وكيف كان الزمن القديم جميلاً وبسيطاً.

وفي حديث للجزيرة نت تقول دنيس أسعد -وهي الشخصية الرئيسية في فيلم الحكواتية "لم الحكايات؟ لأنني لم أحترف كتابة الشعر لدرجة أن تبهرني قصيدتي أولاً، وثانياً لأنني لم أحترف المسرح حين كنت شابةً، ولأن كل آمال العائلة أن أصبح طبيبةً بسبب ذكائي الأكاديمي، فتعلمت الهندسة التطبيقية تخصص الأجهزة الطبية".

يُظهر المخرج دنيس إنسانة عادية ولا يتبع أسلوب المقابلة المضاف إليها بعض المشاهد. دنيس بيومياتها، ولقاءاتها، وأقاربها، ومن حولها، كيف تستنبط كلامها وحكاياتها؟

"الختيار" الذي يروي لها ثم تنقل عن لسانه حكاياتٍ لا تقدر بثمن، وأيضاً من الواقع إلى الخيال. "ألف ليلة وليلة" تبقى مرجعاً للحكايات، لكن الفارق بين دنيس وتلك أنها ما زالت تعيش حكاياتها.

لفلسطين محور مهم في حكاياتها، وتقول دنيس "نعم، حاليا تأخذ فلسطين حيزا كبيرا من حكاياتي. كنت أرغب في العيش في بلاد عادية، وأحكي حكايات صوفية وحكايات عن نساء مثلي بعد الخمسين، وعن الحب والوصال وعن الموت والمرض، خاصة مرض الأهل الذي لا نستعد له".

وهي ترى أن ثمة عودة لفن الحكاية في كل أنحاء العالم وفي بلادنا العربية، مشيرة إلى مدارس تعرفت إليها تعلم هذا الفن، ومن بينها واحدة تظهر في الفيلم اسمها "بيت الحكايا" في قرية جنوب باريس. "الفن في كل مكان وليس في قضيةٍ واحدة وحتى لو كانت القضية الفلسطينية التي بطبيعة الأمر أنتمي إليها".

نهر الحكايات
من القضية إلى البراءة تحكي حكايات للكل وأينما كان وحينما شاءت: في السيارة، في الأمسية، في الحقل مع العجوز أو مع شلةٍ من أطفال يجدون التسلية والترفيه من خلال ذاكرة دنيس. تروي عن نفسها، وليس عن حالها، والفارق هو أنها تربط كل شيء يقال لها ويحيطها.

يُظهر المخرج دنيس إنسانة عادية ولا يتبع أسلوب المقابلة المضاف إليها بعض المشاهد. دنيس بيومياتها، لقاءاتها، أقاربها، ومن حولها، كيف تستنبط كلامها وحكاياتها؟

تدخل إلى مدرسةٍ لتعطي درسا وهذا ما يراه التلاميذ ليتفاجؤوا بعد فترةٍ قصيرة أنها تعلمهم الحكاية بروايتها لهم، ويقوم التلاميذ كامتحانٍ أو كفرض مدرسي بالتعبير أمام زملائهم في الصف عما يريدون من قصصٍ ليس بالضروري أن تكون حقيقية.

بالنسبة للشق التقني في الفيلم، الإضاءة غير الموزونة، والصوت في الحوار وأيضا في سرد دنيس لم يكن واضحاً جداً أو معدلا. وكل أخطاء الفيلم التسجيلي له عذره، فهو صنع في ظروف شبه مستحيلة إذ كان المخرج داخل قطاع غزة ولم يحظ بتصريح ليزور الضفة أو حيفا أو أي مكان يصور فيه الفيلم، وهذا ما أقلق دنيس كثيراً في البداية، لكن -ولحسن الحظ- تم العمل مع طاقم تصوير، واستطاع المخرج أن يعمل بشكل جميل تحت الظروف القاسية وبالإضافة إلى الساعات الطويلة التي قضاها فريق العمل لإنجاز هذا الفيلم التسجيلي.

تقول دنيس أيضاً "كان بودي أن أشاهد في الفيلم مقاطع لم يتم إدخالها لصعوبات تقنية وهي مقاطع صورت مع شباب وصبايا دربتهم بالبلاد وبمخيمات الأردن خاصة بالبقعة حيث التقت شبابا دربتهم قبل سبع سنوات وكانوا في مرحلة الإعدادية والثانوية، ومنهم طبيبة ومعلم ومهندس. وكانت المقابلة المجددة معهم أمرا جميلا لأنهم ما زالوا يسردون الحكايات ويدربون غيرهم بشكل مستمر على هذا الفن مع أنهم غير محترفين.

"الحكواتية" فيلم يستحق أن يعطى فرصة لإيصال حكاياتٍ تتمنى الهجرة.

المصدر : الجزيرة