عزة سلطان

بدايات الضوء في النهار تأتي مشبعة بالضباب، فتظهر الصورة رمادية، والألوان باردة، والناس نيام، وفي لقطات بانورامية تمر الكاميرا بالبنايات، تلتقط اللحظات الأولى لليوم، وبينما تصحو المدينة يزول الضباب وتظهر ألوان حارة مبهجة.

هكذا يبدأ فيلم "الخيول البشرية" لمخرجيه روزاريو سيمانيلا وماركو لانديني، وفي زمن عرض مدته 54 دقيقة وبضع ثوان يحكي الفيلم قصصا عن ثلاثة رجال: رامجي (57 عاما) وإبراهيم (32 عاما) وراجو (38 عاما)، وكل منهم يعمل في جر العربات.
  
عنوان خفي
التنوع عنوان خفي للفيلم، فالمهنة الواحدة للرجال الثلاثة لا تشير إلى تاريخ مشترك أو حتى تفاصيل حياتية متشابهة. فرامجي الذي بدأ حياته ماسحا للأحذية قرر أن ينتقل إلى مهنة جر العربات، وهو يعيش في منزل مع كثير من أبناء جيرته وعمومته الذين جاؤوا من البلدة الأم "بيهار" بحثا عن العمل، ورغم أنه يتحدث عن ظروف قاسية في الحياة، فإنه يؤكد أنه مطمئن ولا يرغب في تغيير حاله، فقط يخطط للعودة إلى بلدته عندما يتقدم به السن.

أما راجو فهو يعيش في غوتياري شريف مع عائلته، وإبراهيم جاء من مدينة سندربينز منذ صغره وعمل في بيع الأرز في الشوارع، وعند 18 عاد إلى مدينته وتزوج ثم عاد إلى كلكتا ليعمل في جر العربات.

الفيلم الذي يحكي قصص الرجال/الخيول الثلاثة لم يعتمد الحديث المباشر طريقة أساسية في بنائه، وإنما اتجه صناعه إلى الصورة، حيث تأتي المقابلات مع الضيوف قصيرة وقليلة نسبيا، بينما نرى على الشاشة لقطات متنوعة يربطها عنصر درامي في الخفاء.

الصباح المبكر تصاحبه لقطات للكثيرين النائمين في أماكن مختلفة.

تبدأ الأحاديث عن مشكلات المهنة من الدقيقة العشرين، الأمر الذي قد يفاجئ المشاهد، فعادة يأتي الحديث عن المتاعب كبداية لنهاية الفيلم خاصة أن الحكايات تأتي متقاطعة.

استعان المخرجان بأفراد الأسرة للحديث عن عمل الشخصية، فجاسمين أخت إبراهيم تتحدث عن متاعب المهنة وعن الحياة، وكذلك تفعل فالينا زوجة راجو.

تناول الحكايات منطقي ومتعارف عليه، كل شخص يحكي كيف جاء إلى المدينة، وعمل في جر العربات، والمتاعب التي تواجهه على كافة المستويات، وانتهاء بموقفه من الحكومة وموقف الحكومة من مهنته.

بطولة المونتاج
التوليف أو المونتاج هو البطل الحقيقي في فيلم "الخيول البشرية"، حيث عكف أربعة على كتابة سيناريو مدهش: روزاريو سيمانيلا وكرستينا دومو وجينالوكا ماركون وليفينا دافي. استطاعوا كتابة سيناريو يعتمد على المشاركة، فخلال ساعة تليفزيونية تشاهد أشخاصا يعملون في مهنة صعبة، ورغم الفقر والضعف فالمشاهد لا يصيبه التعاطف الذي يخلقه مثل هذه النوعية من المشاهد، إنما تقف عين المشاهد ووعيه عند حدود التقدير لقيمة العمل وكثير من الإعجاب بهؤلاء الرجال/الخيول.

عمد صناع الفيلم إلى محاور أساسية في "الخيول البشرية"، بعضها تقني كالمونتاج واللقطات السريعة المتناغمة، كذلك اختيار اللقطات العامة وفق تصور بصري اهتم بالألوان المريحة للعين، والمشاهد التي تصنع ألفة بين المشاهد والمدينة

حيث رمز القوة هو الحصان، تأتي لقطات للرجال الثلاثة وهم يجرون عرباتهم، خاوية ومحملة. مشاهد مميزة من حيث استخدام عدسات مختلفة في التصوير كاستخدام العدسة الضيقة والتي يسمونها "عين السمكة" فبدا كل منهم (إبراهيم، وراجو، ورامجي) كحصان يجري في حلبة سباق. كذلك غلبت على الموسيقى المصاحبة آلات الإيقاع بما في ذلك من استدعاء تراث سمعي عن وقع أقدام الأحصنة في الجري.

الانتقال بين حكايات شخصيات الفيلم، وبين اللقطات العامة للحياة، أسهم بشكل فاعل في كسر حدة الملل، وجعل الفيلم نمطيا في تعاطيه في الفكرة، وقد تميز المونتاج بالسلاسة والانتقال بنعومة بين التفاصيل في المدينة وبين حياة الرجال/الخيول الثلاثة كما عمد المخرجان إلى أن يكون الحكي قصيرا دون استطراد.

وبينما تتغير الصورة في لقطات سريعة للمدينة والبشر، تلعب الموسيقى دورا جيدا، فهي ملائمة في أغلب الفيلم، وحتى المشاهد التي جاءت الموسيقى غير ملائمة فإنها كذلك لم تكن بالشكل الذي قد ينعكس على المشاهد بعدم ارتياح، أو يخل بمتعة المشاهدة.

محاور أساسية
عمد صناع الفيلم إلى محاور أساسية في "الخيول البشرية"، بعضها تقني كالمونتاج واللقطات السريعة المتناغمة، كذلك اختيار اللقطات العامة وفق تصور بصري اهتم بالألوان المريحة للعين، والمشاهد التي تصنع ألفة بين المشاهد والمدينة، حتى لقطات الزحام لم تسبب ضوضاء لونية.

كما كانت الخطوط الدرامية في السرد تشير إلى ترابط وخطة واضحة، فنرى لقطات تشير إلى طقوس الصباح، ثم تفاصيل الحياة، والسوق، والعمل، وأوقات الراحة.

وبدا واضحا أن الفيلم لا يسعى إلى خلق حالة من التعاطف مع أبطال الفيلم، فحديث الأسى يعقبه تصريحات عن الرضا، ومشاهد مؤكدة لحياة تضم بين جوانبها سعادة ما.

أما لقطات نهاية الفيلم، فكان اختيارها ذكيا، فالأشخاص الذين رأيناهم يجرون عرباتهم ورأينا وجوههم منهكة في مشاهد سابقة قد اختفوا وظهر رجل مفتول العضلات، نرى عضلات الظهر وساعدين قويين يجران عربة، ثم شخصيات الفيلم تفتل شواربها في إشارة لعلامات الرجولة كما هي الصورة الذهنية القديمة عن قيمة الشارب عند الرجل، ثم الانتقال لتصوير الأشخاص العاديين وابتساماتهم، ومشاهد النهر والطير والإنسان.

"الخيول البشرية" تشكيل بصري ممتع وفيلم مميز استطاع أن يقدم حالات إنسانية تقدرها وتقدر ما تبذله من جهد في مواجهة صلف الحياة وأوجاعها.

المصدر : الجزيرة