غدير أبو سنينة

ليس عبثا أن ترصد كاميرا المخرج الهندي جون باولو بيجولو مشاهد طيور تحلق في السماء في المشهدين الأول والأخير من الفيلم التسجيلي "طيور الحب، إنتاج 2012"، في إشارة إلى الحرية التي يسعى إليها أبطال الفيلم الذين وصفهم بالطيور.

ورغم هذا الفضاء الواسع الذي نراه في البداية، فإن الواقع الذي يصوره الفيلم يطلعنا على أفق ضيق جدا حينما يبدأ أبطال الفيلم رواية قصصهم التي تشترك في كونها قصص حب ممنوعة.

مدير جمعية "كوماندوز الحب"، رجل مسن عاقل حكيم يذكرك بالفلاسفة الهنود، يبدو في الفيلم الأب الروحي لهؤلاء الشباب الذين قرر أن يثوروا على تقاليد المجتمع وأن يتحدوا تلك العقلية المتحجرة التي لا تأخذ في الحسبان العواطف الإنسانية
إذا كان الحب أعمى -كما يقولون- فإنه بالتأكيد أكثر عدالة ومساواة من الإبصار. ذلك أن العاشق لا يرى طائفة معشوقه حين يقع في حبه، وهذا أمر ربما لا يرضي المجتمع الهندي ولا عاداته أو تقاليده التي تفرض على المتزوجين أن ينتميا لنفس الدين أو الطائفة، وتعتبر أي إخلال بهذا القانون موجبا للطرد من رحمة العائلة والمجتمع.

"كوماندوز الحب"
أكثر من ألف جريمة شرف سنويا، عدا عن الأمور البائسة التي تحدث للعشاق في حالات كهذه من تعرضهم للعنف أو الانفصال أو حتى الموت والازدياد المطرد لأعدادهم في المجتمع الهندي جعلت بعض المتطوعين ينشئون مجموعة أطلقوا عليها اسم "كوماندوز الحب"، يقدمون فيها الدعم والملجأ لهؤلاء العشاق الذين لم تبارك عائلاتهم ارتباطهم بسبب الاختلاف الطائفي.

كاميرا الفيلم تجول في دلهي ناقلة لنا بعفوية شديدة الحياة اليومية التي يمر بها هذا الشعب الذي يعاني معظم أفراده من الفقر والجهل، ليخرج لنا في البداية "طاغور" متحدثا عن قصته مع كاشياب، الفتاة التي تقول إن أمها قد رفضت تزويجها منه جملة وتفصيلا، نراها -وهي زوجة لطاغور- في ملجأ "الكوماندوز" بعد أن عقدا قرانهما في أحد المعابد دون إرادة الأهل.

السيد ساشديف مدير جمعية "كوماندوز الحب" رجل مسن عاقل حكيم يذكرك بالفلاسفة الهنود الذين امتلأت الكتب التاريخية بحكمهم وأقوالهم، يبدو في الفيلم الأب الروحي لهؤلاء الشباب الذين قرروا أن يثوروا على تقاليد المجتمع، وأن يتحدوا تلك العقلية المتحجرة التي لا تأخذ في الحسبان العواطف الإنسانية، بل تصر على حشرها في قوالب الطوائف، ويؤكد أن الطائفة الوحيدة التي يؤمن بها ويبشر بها هي "طائفة الحب".

أمام القانون
يطلعنا الفيلم على وجهة النظر القانونية على لسان بعض المحامين الذين يطلبون من الأزواج جمع الأدلة على زواجهم الذي يتم عادة في معابدهم الدينية، كصور العرس أو إحضار الشهود.

فهؤلاء العشاق لا يواجهون المجتمع والأهل فحسب، بل أيضا تلك الأحكام التي تكون في العادة من صالح الطرف الأول، فتعيد -في أغلب الحالات- الفتاة إلى عائلتها التي تمعن في التضييق عليها بعد ذلك. ولعل خير مثال على ذلك "كارونيش"، وقصته من أكثر الحكايات درامية في الفيلم، نراه وحيدا يروي ما حدث مع زوجته رانوكا، وهي قريبة أحد السياسيين المؤثرين في الهند.
حاولت العائلة كثيرا إبعادهما عن بعضهما، لكن العاشقين كانا يزدادان إصرارا على الارتباط، فهربا إلى نيبال، إلا أن الشرطة الهندية -وبناء على تقدم الأهل ببلاغ عن خطف الابنة-استطاعت استعادة الفتاة بل ومنعتها من لقاء زوجها "كارونيش" الذي قرر اللجوء "للكوماندوز" والقضاء الهندي لاستردادها، ففوجئ بأن المحكمة تقدم له طلبا منها بالطلاق، يؤكد الزوج المكلوم أنه رغما عنها.
 
يقفز الفيلم من قصة لأخرى بانسيابية لطيفة تبعد عن المشاهد الإحساس بالملل، دون أن تقفد مواكبتها تسلسل الأحداث أو لنَفَسِها الإنساني. إذ تنتقل الكاميرا من مدينة لأخرى ناقلة حكايا أبطال الفيلم الذين اجتمعوا في مدينة دلهي ولديهم أمل في الحصول على الدعم والحماية ثم العودة لمدنهم الأصلية. لكن النهايات تختلف باختلاف ظروفهم، فتارة ينجح الشريكان بإقناع الأهل ومواجهة المجتمع وتارة يخفقان.

سانجي وآرتي
سانجي وزوجته آرتي حبيبان آخران فرّا إلى الجمعية في دلهي طلبا للحماية، وسيكون عليهما مواجهة الأهل قانونيا وإثبات زواجهما وحقهما في العيش معا تحت سقف واحد. يتدخل ساشديف هذه المرة في محاولة لإقناع الوالدة بمباركة الزواج، لكن الطلب يواجه بالرفض التام في البداية، رغم أننا نستطيع أن نلمح أن الأم تخفي خلف تلك اللكنة القاسية الصارمة شيئا من التعاطف، ذلك أنها تبرر له موقفها بأن المجتمع من يفرض ذلك وليست هي.
أصر العاشقان على الارتباط، فهربا إلى نيبال، إلا أن الشرطة الهندية استطاعت استعادة الفتاة ومنعتها من لقاء زوجها "كارونيش" الذي قرر اللجوء "للكوماندوز" والقضاء الهندي لاستردادها، ليتفاجأ بأن المحكمة تقدم له طلبا منها بالطلاق

ساشديف الذي لا نراه منفعلا أبدا لكنه يتحدث دوما بنبرة هادئة واثقة يجادل أمه دون يأس، ليخرج من المنزل خالي الوفاض من أي وعد باستقبال الفتاة لكن بعهد أنها تستطيع العيش مع زوجها في المدينة ذاتها "آجرا" دون أن يتعرض لهما أحد بسوء.

بعد فترة، سيكون لكلام ساشديف تأثير على عواطف الأهل الذين يقررون في نهاية الأمر سحب الشكاوى الرسمية وتقبل الزواج ولم الشمل من جديد.
 
لوكندرا وبريكندا، هندوسي ومسلمة، يمران بنفس الصعوبات السابقة التي يفرضها المجتمع. تؤمن الشرطة لهم الحماية بعد شهور من هربهما معا، لكن حالهما -بعد سنة من وجودهما معا- يزداد سوءا بسبب الأحوال الاقتصادية السيئة وعدم تقبل المجتمع قرارهما.

يختتم الفيلم مشاهده مع كارونيش، الذي يرمز لاستمرار الأمل في الفيلم، فهو ما زال يكافح قانونيا من أجل استرجاع زوجته. وستخرج الكاميرا من القبو الذي مررنا به مرارا خلال مشاهدتنا الفيلم إلى السطح حيث نرى العصافير تحلق من جديد في سماء دلهي الواسعة.

المصدر : الجزيرة