"مملكة النساء" .. فيلم حول نساء شمَّرن عن أرواحهن الحزينة وأذرعهن ونهضن من جديد (الجزيرة)

إبراهيم نصر الله

يبدو فيلم "مملكة النساء" للمخرجة دانا أبو رحمة ملخصا لذلك العمل الذي قامت به النساء، بعد اجتياح بيروت عام 1982، وكلما تقدم الفيلم فسوف نكتشف أن ما قامت به النساء اسم آخر للبطولة.

أنتج الفيلم عام 2010، ومدته 54 دقيقة، وقد استطاع أن يحقق نجاحات متواصلة، لم يكن فوزه بجائزة لجنة التحكيم بمهرجان الجزيرة الدولي للأفلام الوثائقية آخرها، إذ حقق نهايات العام الماضي فوزا آخر كبيرا حين قطف جائزة "الأرض" بمهرجان الأرض العاشر للأفلام الوثائقية بجزيرة سردينيا، وبين هاتين الجائزتين كان له حضور كثيف بعدد كبير من المهرجانات السينمائية الدولية.

ما يلفت النظر في هذا الفيلم أنه واحد من الأفلام الفلسطينية التي استطاعت أن تخطو خطوات كبيرة في فضاء هذا النوع من الأفلام، بعد مراوحة استمرت طويلا في تسعينيات القرن الماضي، باستثناء أسماء عدد قليل للغاية من المخرجين والمخرجات المكرَّسين. وهو إذ استطاع تحقيق ذلك فإنه جنح إلى مغامرة رائعة حين قام بتوظيف الصور المتحركة لتحريك الشاشة بمشهديتها الثابتة، حيث النساء اللواتي يستعيد الفيلم تجربتهن في وضعية الجلوس دائما.

يتابع الفيلم حكاية نساء استطعن إعادة بناء المخيم الذي تهدَّم من جديد، ورفضن الخيام بديلا عن البيوت، وهاجمن تلك الخيام،

تفتتح دانا أبو رحمة فيلمها بعدد من رسوم ناجي العلي التي رسمها عن مخيم عين الحلوة (المكان الذي دارت فيه أحداث الفيلم) لكنها لا تكتفي بذلك، إذ تقوم بتحريكها وبعث الحركة فيها، فالشجرة المطرَّزة على الثوب تكبر، والدمعة من عين المرأة التي تمثل المخيم تُذرف، وفي استعادتها لرسوم العلي المعروفة على نطاق واسع كانت تفتح الباب لذاكرة المشاهد كي تدخل في تفاصيل وقائع مرَّ عليها الآن أكثر من عشرين سنة.

الحكاية
يتابع الفيلم حكاية نساء استطعن إعادة بناء المخيم الذي تهدَّم من جديد، ورفضن الخيام بديلا عن البيوت، وهاجمن تلك الخيام، وحين لاحقهن جنود الاحتلال الصهيوني قامت مجموعات أخرى بحرق الخيام، إلى أن استطعن الحصول على قطعة أرض لكل عائلة وعمَّرن منازلهن عليها.

لكنّ هذا جانب صغير من الفيلم أيضا، في ظل اعتقال الرجال أو رحيلهم مع المقاومة التي خرجت من لبنان، ولعله واحد من المشاهد الروائية الجميلة للغاية أن نرى النساء يبنين البيوت مع بنَّاء عجوز ويدفعنه للعمل دفعا، سواء بالكلام أو بإثبات قدرتهن العجيبة، فالمرأة التي لا تزن أكثر من أربعين كيلوغراما تحمل فوق رأسها كيس إسمنت وزنه خمسون كيلوغراما!

تتحدث النساء بيسر وسلاسة أمام الكاميرا كما لو أنهن يتحدثن مع أنفسهن، وهذا نجاح يحسب للمخرجة التي استطاعت أن تكسر التكلف، وكلما ذهبت امرأة للماضي تقدًّم الغرافيك ليروي حكايات حصلت، ودون تكلف أيضا، فخطوط الرسم بسيطة للغاية وكذلك المساحات وحركة الشخصيات.

لكن الحكايات تتنوع بتنوع الساردات، من أم محمد إلى خديجة، نادية، وصولا إلى عبلة. ويتجاوز الفيلم حدود المخيم وما أصابه ليتابع ذكريات نساء من المخيم تم اعتقالهن، واقتيادهن إلى السجون الصهيونية، أمهات تتمزق قلوبهن على أبنائهن خلفهن، ونساء يلدن في السجن، دون أن يتنازل الفيلم ولا الساردات عن لمحات رقيقة من السخرية دائما.

إحداهن تروي أنها بينما كانت تقطّع الفلفل الأحمر جرحت يدها، وحين اعتقلت كان المحققون الإسرائيليون ينظرون إلى ذلك الجرح وتلك اليد، باعتبارهما دلالة مؤكدة على أن تلك المرأة "مخرِّبة" فاليد بعلامتها الفارقة تدل على أنها يد مخرِّبة!

وحين تصل أخبار صفقة تبادل الأسرى إليهن، ويأملن أن تشملهن، ينهضن ويرقصن، وأمام دهشتهن ترقص المسؤولة عنهن أيضا.

video

أرواح حزينة
إنه فيلم عن نساء شمَّرن عن أرواحهن الحزينة وأذرعهن ونهضن من جديد، حين أدركن أنهن إن لم يتحركن فسيتدهور الوضع أكثر، إنهن يطرزن، ويتحدثن عن وطن طرّزن اسمه بخيوط الحرير، ويعملن، ويدخرن أيضا حتى يحفظن كرامة الرجال حين يعودون من السجون، لكي يجدوا المال الذي سيحميهم من أن يتذللوا لأحد.

لكن الفيلم بالمشاركات فيه لا يخفي مرارته، فالرسائل التي تصل من السجن تكون موجهة لذكر العائلة الذي لم يتجاوز بعد الثالثة من عمره! والأب يطلب منه أن يحمي البيت! ويحافظ على أمه وأخواته! ولذلك تبدو تلك النتيجة التي تصل إليها إحدى النساء في الفيلم تلخيصا عميقا لوضع المرأة. تقول: المرأة ليست نصف المجتمع، إنها أكثر من ذلك، كانت في تلك الظروف تستطيع أن تتحرك وأن تكون صلة الوصل بين الخارج والداخل أيضا، ولكن المجتمع حين يرتاح يلغي دورها، أما حين يُضغط، فإنها تأخذ دورها!

لقد بدأن من الصفر لإعادة بناء مجتمعهن وحياة أسرهن، وهذه الصورة هي الصورة الفعلية للمرأة الفلسطينية التي استطاعت أن تفعل ذلك على الدوام منذ النكبة، وكذلك صورة لنساء يعدن بناء الأرض من جديد، إنه عن تلك البذرة التي تزرعها المرأة وينسى ملتهمو الثمرة -في أزمنة الرخاء- تلك اليد التي زرعتها ورعتها!

المصدر : الجزيرة