راشد عيسى

لا ندري إلى أي مدى يصح القول إن الربيع العربي هو هدية الكاميرا، كاميرا "الجوال" خصوصا، لكن الأكيد أن من دونها لم يكن العالم ليسمع بما حدث في سيدي بو زيد التونسية، وشوارع المحروسة، وبنغازي، أو مدينة درعا السورية.

كانت كاميرا "الجوال" هي البطل (والمطلوب) رقم واحد في مواجهة العسكر ورجال الأمن، كان المتظاهرون يرفعون قبضاتهم وهتافاتهم، وكاميراتهم أيضا، وكأن هذه أيضا أرادت أن تتنفس، أن تطالب بحريتها.

انتصرت الثورة في تونس ومصر وليبيا في وقت قصير نسبيا، لكن تأخر الحسم في سوريا، والإنكار الوقح لإعلام النظام السوري لما يجري في شوارعه، دفع بحمَلة الكاميرات من المتظاهرين إلى مزيد من توثيق لا يمكن إنكاره، من قبيل إظهار تاريخ المظاهرة أمام عدسة الكاميرا، أو عرض صحيفة صادرة بتاريخ يوم المظاهرة، إضافة إلى صوت المصور وهو يحدد تاريخ المظاهرة ومكانها.

الإنكار الوقح لإعلام النظام السوري لما يجري في شوارعه، دفع بحمَلة الكاميرات من المتظاهرين إلى مزيد من توثيق لا يمكن إنكاره
وقد كانت علامة فارقة في تاريخ "إعلام" الثورة السورية أن يظهر فيديو لشاب من ساحة قرية البيضا في بانياس اسمه أحمد البياسي وهو يفنّد بالصورة كذب النظام الذي زعم أن ما جرى في هذه الساحة من إهانة للمواطنين بالدوس على أجسادهم ورؤوسهم إنما حدث في بلاد أخرى قصية.

ولادة جديدة
إذاً فقد كانت ولادة جديدة، عسيرة ومحفوفة بأشد المخاطر للفيلم التسجيلي السوري، ولم تكن بلا مغزى تلك المواجهة القصوى بين عين الكاميرا وفوهة بندقية القناص، أكثر من فيديو سجل تلك المواجهة القاتلة التي انتصر فيها القناص بالنيل من ضحيته -المصور- فيما انتصرت الكاميرا بإعلان تلك المواجهة على الملأ.

كذلك لم يكن بلا مغزى أن سنوات الثورة كانت هي هذه المطاردة بين جيش النظام والكاميرا وأجهزة الاتصال، في الداخل كما على الحدود، وربما كان تهريب السلاح أهون على النظام من تهريب عدة الفيلم الذي سيفضح روايات النظام. هكذا ولدت عشرات الأفلام التسجيلية، كما ولد عشرات السينمائيين الذين وجدوا أن الفيلم ليس شيئا للترف واللهو، بل هو واجب مقدس، من دونه سيضيع دم الضحايا، وتضيع حكايتهم.

السينمائيون، وهم في الغالب لم يتعلموا السينما على مقاعد الدراسة، وجدوا أنفسهم يكبرون ويحرقون المراحل، إنهم في أتون تجربة استثنائية، إن لم تقتلهم فستجعل منهم أيضا بشرا، وربما مبدعين استثنائيين.

لا أنسى ما حييت ذلك الشاب الذي لم يكمل سنوات دراسته في قسم الإعلام، لكنه تلقف كاميرا متواضعة وبات همه تصوير يوميات القصف على مخيم اليرموك.

حين قصفت طائرات النظام السوري أحد مساجد المخيم ركض الشاب ليصور ما تركت طائرات الميغ من موت ودمار، قال "أول ما صادفته كان جسدا حيا لكنه مشطور إلى نصفين، فيما عيناه تحدقان بي وتنتظر أن أفعل شيئا، القلب يرتجف، لكن اليد ثابتة على الكاميرا، كنت أعرف أن لا سبيل إلى إنقاذ الجريح، فلأمضي لإنقاذ المخيم عبر تصوير المجزرة". يقول الشاب الغض، فيبدو أكبر بكثير من سنواته التي تزيد قليلا على العشرين، وكذلك يبدو جيل كامل من الشباب الذين ظهرت أفلامهم تاليا في الفضائيات العربية، أو على موقع اليوتيوب.
سيعثر سينمائيو الربيع العربي في بلادهم على كنوز من الصور والحكايات البكر بعد أربعين عاما أو أكثر من حكم العسكر
تجرية استثنائية
وإذا كان على السينمائي أن يقطع -في مسيرته الاعتيادية- مراحل معينة تبدأ من الدراسة ثم الخبرة والتجربة واستخلاص الدروس، فإن المراحل هنا معكوسة، لقد حصل السينمائيون الشبان على تجربة عظيمة واستثنائية، وعليهم تاليا -بعد استتباب أمن البلاد على أجواء الحرية التي لطالما حلموا بها- أن يعودوا إلى التعلم، وإلى الانخراط في ورشات عمل سينمائي، ذلك أن التجربة لا بد من صقلها بالمعرفة، هذه التي عليها أن تنقذ الفيلم السينمائي من فوضى الواجب الثوري، وعفوية وارتجال الصورة المهتزة المأخوذة تحت القصف.

سيعثر سينمائيو الربيع العربي في بلادهم على كنوز من الصور والحكايات البكر بعد أربعين عاما أو أكثر من حكم العسكر الذي يرفع لافتة كل عشرة أمتار تقول "ممنوع الاقتراب والتصوير"، إلى أن صارت البلاد أمكنة وبشرا وتواريخ وراء الحجاب.

 لم يكن أحد ليجرؤ حتى ليصور عمارات المدن وشوارعها من دون الحصول على سلسلة من الموافقات الأمنية، الأمر الذي دفع بسينمائي مرموق مثل الراحل عمر أميرالاي للتحايل على قوانين الرقابة الأمنية في سوريا حين قدم سيناريو مكتوبا لفيلم تسجيلي عن الآثار غطاء لفيلمه "طوفان في بلاد البعث" الذي سيعرّضه تاليا للمساءلة الأمنية.

عاشت البلاد كلها محجوبة وراء الأسوار العالية، والآن عليها أن تظهر دفعة واحدة إلى النور، شغل كثير بانتظار صنّاع الفيلم التسجيلي، وعلى عاتقهم يجب أن يبنى ما تهدّم، أن يُكتب ما حذف من التاريخ المعاصر، لذلك ينبغي أن يجري التحضير منذ الآن لبيئة قادرة على احتضان ثورة الفيلم التسجيلي، من قبيل إنشاء المؤسسات الإنتاجية وتأسيس معاهد لتعليم فنون وتقنيات السينما، وكذلك إعداد المشاريع والتوجهات والخطط، ذلك وحده من شأنه أن يحفظ الربيع، ويصنعه دائما من جديد.

المصدر : الجزيرة