كوخ هولمن كولن في أوسلو الذي شهد أول لقاء رسمي بين الإسرائيليين والفلسطينيين (الجزيرة)
الحبيب ناصري

لا أحد يجادل اليوم في كوننا نعيش زمن الصورة وبامتياز، بل لا أحد اليوم من الممكن أن يهمش ما يمكن أن تقوم به الصورة من دفاع عن قضية عادلة كقضية الشعب الفلسطيني.

سياقات فنية متعددة تلك التي تصاحب بين الفينة والأخرى ما يعيشه شعب فلسطين: أفلام سينمائية روائية وتسجيلية، ومعارض فوتوغرافية وتشكيلية، وقول شعري وروائي، والتصاق بما تركه الأجداد، سواء تجلى ذلك في الألبسة أو الأطعمة أو الحلي... إلخ، كل ذلك مفاده شيء واحد هو الحق في الوجود.

بكل تأكيد، الفعل السياسي فعل لازم من أجل أن يبرهن من بيدهم القرار السياسي الفلسطيني للعالم على أن هذا الشعب الفلسطيني شعب يريد العيش في سلام، ومستعد للحوار مع عدوه الذي نزع منه كل شيء في هذه الحياة.

ضمن هذا السياق كان "الحدث" الأبرز وهو قمة "أوسلو"، وجلوس كل أطراف النزاع حول مائدة التفاوض، فكان ما كان.

المخرجة روان الضامن ويان-إيجلند
نائب وزير الخارجية النرويجي (الجزيرة)
لحظة أوسلو
من الأفلام التسجيلية التي استرجعت لحظة أوسلو السياسية التفاوضية فيلم "ثمن أوسلو" لصاحبته روان الضامن، المخرجة الأردنية المنحدرة من أصول فلسطينية، والمشتغلة حاليا بقناة الجزيرة في قسمها العربي، هي صوت وثائقي ممتع لما تقدمه بين الفينة والأخرى من رؤى تحليلية تسجيلية بمهنية وفنية لها وزنها في خريطة القول التسجيلي العربي.

من الممكن القول إن العنوان في جميع مكونات الفعل الثقافي مدخل موحٍ لما سينهض عليه العمل، هو الرأس في علاقته مع الجسد، كما قال الناقد المغربي محمد مفتاح، به نتوسل ونستأذن الدخول لعالم المبدع، سواء تعلق الأمر بالشعر أو الرواية أو المسرح... إلخ.
 
ثمن: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذا، وهو مضاف، وأوسلو مضاف إليه، فهل حذف شيء ما فعلا، وتمت إضافته إلى أوسلو؟

لنمارس لعبة التأويل ولو بشكل ماكر، لأن أجمل ما في قراءات الإبداع حرية توليد معانٍ و/أو دلالات تمنحها لنا بنى الإبداع.

من السهل إرجاع هذه البنية إلى حقلين دلاليين جوهريين: التجارة والسياسة. ثمن كبنية معجمية تجارية، وأوسلو كبنية مكانية/سياسية (للتذكير أوسلو عاصمة النرويج الباردة والمثلجة، مناخ لا يخلو من دلالات سياسية قوية وظفت في الفيلم).

فهل من الممكن وضمن لعبة التأويل توليد دلالة ما من هذه البنية المعجمية الدالة والقوية؟ هل هو قدر اللغة المنفلتة والموحية بهذه الدلالات؟ أم هي رؤية "قصدية" تتوخاها المبدعة/المخرجة في متنها الفيلمي التسجيلي هذا، وهو الضمير المعبر عن المبتدأ المحذوف؟

هل القول الضمني هنا مفاده السؤال البسيط/المركب التالي، وهو ما الثمن المحصل عليه من أوسلو؟ هل هو الفراغ؟ لا وجود لاستعمال لغوي بريء.
video

بنية القول الفيلمي
للفيلم التسجيلي قوله الخاص به، وهو هنا الصورة والصوت، أدوات يكتب بها من يشتغل في هذا المجال، طبعا إضافة إلى طبيعة الرؤية الفنية والجمالية الباصمة والجذابة والمولدة للأسئلة.

"ثمن أوسلو" فيلم تسجيلي من إنتاج قناة الجزيرة، يندرج ضمن سلسلة أعمال بصمت بها المخرجة المعدة المنتجة روان الضامن -وما زالت- مسيرتها الفنية والثقافية. فيلم أنتج ضمن رؤية "فلسطين تحت المجهر" في مدة 120 دقيقة، هو نبش في "قمة/منحدر" أوسلو، سؤال واحد كان يشغل بال هذه المبدعة، هو: ما مصير هذه القمة؟

من السهل أن ندافع أو نرفض مصير هذا المؤتمر الذي سطر له الغرب بشكل عام وأميركا وروسيا وبقية القوى الكبرى "المتحكمة" في "أنفاس" العرب، لكن كيف يمكن قول وجهة نظر ما بلغة الصورة؟ هنا الخطورة وهنا قوة وبلاغة المحكي بالصورة.

 "ثمن أوسلو" فيلم بني على حكي توسل فنيا بما يلي:

1- تنوع الأصوات:
لخلق مسافة فاصلة بين ما نحكي والمحكي في أي عمل فني نريد له أن يكون وجهة نظر راقية لا بد من الحفاظ على مسافة فاصلة ولو بشكل مؤقت بين الذات المبدعة والمحكي، هنا تمكنت المخرجة من تحقيق هذه المعادلة "الموضوعية" الصعبة في قضية "ذاتية" تخص كينونتها، وهي قضية أرضها المغتصبة.

ضمن هذا السياق، أحضرت المخرجة أصواتا سياسية وفكرية وإعلامية متعددة الهوى السياسي من داخل وخارج فلسطين، رؤى سياسية فلسطينية وعربية وأجنبية، والرؤية هنا من الناحية الإخراجية لها قيمتها الموضوعية القوية، هنا الرغبة في تقديم مسح سياسي يتعلق بهذه الاتفاقية، مسح دال.

 2- الوثائق:
وثائق مكتوبة وأخرى صور فوتوغرافية ومتحركة... إلخ، هي المادة المقدمة والمعتمد عليها في قول ما تريد أن تقوله المخرجة بواسطة الصورة.

من السهل أن نوافق أو نرفض هذه الاتفاقية السياسية بواسطة قرار أو مقال أو لافتة سياسية، في جملة أو مقالات عديدة، لكن ليس سهلا قول هذا الكلام بواسطة فيلم تسجيلي مادته الصورة.

الاعتماد على هذه التعددية التسجيلية معناه البحث عن رؤية غايتها أقصى أشكال الموضوعية، نظرا لحساسية الفكرة/الموضوع.

3- المونتاج:
هو بلغة فنية وجمالية من العناصر القوية في أي عمل سينمائي روائي و/أو تسجيلي، لأنه لا يخلو من دلالات.

هنا تكمن -إن صح التعبير ومن وجهة نظر نقدية- رؤية المخرج، خطابه السياسي الفني الثقافي.

استطاعت المخرجة الإمساك بلغة الصورة و"خلخلة" الأشياء فنيا. ليس من المصادفة البدء من أميركا وباتفاقية "السلام" بين ياسر عرفات -رحمه الله- وإسحق رابين ومشهد مد اليد الفلسطينية لهذا الأخير، وبتصفيق الحاضرين، ليتم الانتقال مباشرة إلى ما يؤكد نفي هذا المحتوى السياسي، هنا قدرة المخرجة على توظيف ما يمكن تسميته بـ"بلاغة" الصورة.

الموسيقى:
لغة ودلالات الموسيقى كانت حاضرة وبشكل بارز، وعلى امتداد هذا العمل الوثائقي التوثيقي الفني والثقافي، تنوع موسيقي بين ما هو عربي أصيل وما هو غربي، لتحقيق نوع من الجمالية الإخراجية المولدة والمسافرة في أحضان هذه الأنواع الموسيقية، لقول الأشياء ليس بلغة ماذا قيل، بل أيضا كيف قيلت الأشياء هنا. 

video

السفر في التاريخ:
أن تسافر في عمل تسجيلي بين أحضان التاريخ -سواء عند العرب أو عند العجم- معناه أنك انتقلت إلى فضاءات جغرافية متعددة، حيث البحث عن الحقيقة يتطلب خلق المسافة الفاصلة بين الذوات، هنا سافرنا بصحبة المخرجة في الأمكنة والوجوه والأحداث.

سفر يجعلك تنخرط في لعبة التأويل سواء مع أو ضد، وهنا قوة الأعمال التي تمنحنا هذه التعددية، تعددية تضمنها الألسن المفسرة للوقائع السياسية المؤطرة لهذا الفيلم الغني بمواده التاريخية المتنوعة.

**
فيلم "ثمن أوسلو" سفر في القضية الفلسطينية، من زاوية تسجيلية نحن في أمسّ الحاجة إليها في وطننا العربي، بل هي رؤية من الممكن تحويلها لتلقيها في مجتمعات غربية أيضا لمواكبة ومعرفة رؤى أخرى ليس بالضرورة أن تكون متمركزة حول هذه الذات الغربية التي أعتقد دوما أنها "مركز الحقيقة"، وهي الذات "المؤمنة" بالتعددية والتنوع في كل شيء.

فيلم "ثمن أوسلو" مرجعية خصبة، من الممكن اعتمادها في العديد من اللقاءات والمناهج التربوية والتكوينية والبحثية العلمية، خصوصا في وطننا العربي الذي هو في أمسّ الحاجة إلى هذا النوع من الأعمال التسجيلية.

المصدر : الجزيرة