الجدري.. مدمر إمبراطوريات الأزتيك والإنكا
آخر تحديث: 2018/1/29 الساعة 16:19 (مكة المكرمة) الموافق 1439/5/13 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2018/1/29 الساعة 16:19 (مكة المكرمة) الموافق 1439/5/13 هـ

الجدري.. مدمر إمبراطوريات الأزتيك والإنكا

الإسم العلمي: Smallpox

صورة أرشيفية تعود لعام 1974 تظهر طفلة في الهند مصابة بالجدري (أسوشيتد برس)

الإسم العلمي:

Smallpox

الجدري (Smallpox) هو مرض فيروسي يسببه فيروس "فاريولا" (Variola)، ويؤدي إلى ظهور بقع تتطور إلى بثور صغيرة ثم إلى ندوب عميقة، وقد تسبب هذا المرض في قتل نحو 30% ممن أصيبوا به عبر التاريخ، أما الناجون منه فقد رافقهم العمى وندوب عميقة جدا وتشوهات.

ويعدّ الجدري من بين أكثر الأمراض فتكا بالبشرية على الإطلاق، فقد غيّر مسار التاريخ البشري بشكل كبير، وأسهم في تدهور الحضارات وتدميرها.

ويتسبب بالمرض فيروس الجدري الذي يسمى أيضا "فاريولا" (Variola)، وهو فيروس كبير نسبيا يعد من أكبر الفيروسات حجما.

وهناك سلالتان مختلفتان للجدري، هما: الجدري الرئيسي أو الخطير (Variola Major)، والجدري الصغير أو غير الخطير (Variola Minor). وكما تشير الأسماء، فإن الجدري الرئيسي هو الشكل الفتاك والأكثر خطورة، بينما يكون الجدري الصغير أقل خطورة.

اشتُقَّ اسم المرض من الكلمة اليونانية التي تعني "تبقع"، في إشارة إلى النُّتوءات البثرية التي تبرز على وجه المصاب وجسمه. وقد تسبب هذا المرض في قتل نحو 30% ممن أصيبوا به عبر التاريخ، أما الناجون منه فقد رافقهم العمى وندوب عميقة جدا وعلامات على الجلد، إضافة إلى تشوهات أخرى مثل فقدان الشفاه والأنف وأنسجة الأذن.

وعادة ما تظهر الأعراض العامة للجدري بعد 12-14 يوما من الإصابة، وتكون أعراضا شبيهة بأعراض الإنفلونزا، وتشمل الحمى وعدم الراحة بشكل عام والصداع والتعب الشديد وآلام الظهر الشديدة والتقيؤ.

وبعد بضعة أيام، تظهر البقع الحمراء المسطحة أولا على الوجه واليدين والساعدين، ثم على الجذع، وفي غضون يوم أو يومين يتحول العديد من هذه البقع إلى بثور صغيرة مليئة بسوائل شفافة، تتحول فيما بعد إلى قيح. تبدأ قشور الجروح (Scabs) في التكون بعد ثمانية أيام إلى تسعة، ثم تسقط في نهاية المطاف تاركة ندوبا عميقة. أما في حال وفاة المريض فعادة ما يكون تسمم الدم هو السبب.

وتحدث عدوى فيروس الجدري فقط بين البشر. ومن أهم الأسباب التي أكسبت الجدري خطورته أنه مرض ينتقل عبر الهواء (Airborne disease)، وعادة ما ينتشر هذا النوع من الأمراض بسرعة كبيرة، فالسعال والعطاس والاتصال المباشر مع أي سوائل جسدية يمكن أن ينشر فيروس الجدري، وبالإضافة إلى ذلك فإن مشاركة الملابس الملوثة أو الفراش يمكن أن يساهم في نقل العدوى.

ولا يُوجد علاج للجدري. وفي حال الإصابة، فإن العلاج يركز على تخفيف الأعراض ومنع إصابة المريض بالجفاف، وقد توصف بعض المضادات الحيوية للمريض إذا ما تطورت لديه عدوى بكتيرية ثانوية في الرئتين أو على الجلد.

ويمكن الوقاية من الجدري من خلال اللقاح، فإذا تم تلقيح الشخص قبل الاتصال بالفيروس، فإن بمقدور اللقاح حمايته من المرض. وفي حال تفشي المرض ومحاولة السيطرة على انتشار الفيروس، يجب عزل المصابين.

ويجب على من يتصل بمصاب في طور العدوى، أن يحصل على لقاح الجدري الذي يمكن أن يمنع المرض أو يقلل خطورته إذا حصل عليه في غضون أربعة أيام من التعرض للفيروس. أما إذا تطور المرض لدى الشخص فلن يكون باستطاعة اللقاح توفير أي حماية له.

وتجدر الإشارة إلى أن اللقاح ضد الجدري غير متوفر في الوقت الراهن لعامة الناس، وذلك بسبب النجاح في القضاء التام على المرض وانعدام وجود الفيروس. ومع ذلك، فإن هناك مخزونا كافيا للتطعيم إذا ما حدث تفشٍّ للمرض مجددا.

عبر التاريخ
ويُعتقد أن الجُدري نشأ في الهند أو مصر قبل ثلاثة آلاف عام على الأقل، وذلك بعد العثور على مومياء مصرية مصابة به، وهي مومياء الفرعون رمسيس الخامس الذي توفي عام 1157 قبل الميلاد، فقد أظهرت بقاياه المحنطة بعض النتوءات البثرية على جلده.

وانتشر المرض في وقت لاحق على طول طرق التجارة في آسيا وأفريقيا وأوروبا، فقد تم توثيق أوصاف لا لبس فيها لهذا المرض في الصين خلال القرن الرابع، وفي الهند ومنطقة البحر الأبيض المتوسط خلال القرن السابع الميلادي، فضلا عن  جنوب غرب آسيا خلال القرن العاشر.

وتشير التقديرات إلى أن الجدري دخل أوروبا بين القرنين الخامس والسابع مع انتشار الأوبئة خلال العصور الوسطى. وأدخل المستعمرون الأوروبيون الجدري إلى الأميركيتين (وأيضا أفريقيا وأستراليا) بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر، مع معدلات إصابة بلغت 90%. ويعتقد عموما أن الجدري كان السبب وراء سقوط إمبراطوريات الأزتيك والإنكا.

وبحلول نهاية القرن التاسع عشر، أصبح الشكل الأكثر اعتدالا والأقل فتكا للجدري -المعروف أيضا باسم الجدري الصغير أو الجدري غير الخطير (variola minor)- واضحا في الولايات المتحدة. وقد تم التعرف على هذا الشكل من الفيروس في كل من البرازيل وإثيوبيا والصومال خلال السبعينيات.

وخلال القرن العشرين، تشير التقديرات إلى أنه كان هناك 300-500 مليون حالة وفاة بسبب الجدري في جميع أنحاء العالم.

المعركة
|بدأت المعركة ضد الجدري باتباع طريقة تعرف بالتجذير (Variolation)، وتتمثل في فرك المواد المعدية من المرضى المصابين بالجدري في خدوش سطحية يتم إحداثها في جلد الشخص المراد تحصينه.

وقد قامت كاتبة الرسائل الشاعرة الإنجليزية ماري وورتلي مونتاغيو بجلب هذه الطريقة من تركيا إلى إنجلترا عام 1721. وتم اعتمادها في أوروبا خلال القرن الثامن عشر، وبحلول نهاية القرن أصبحت طريقة التجذير مقبولة على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم باعتبارها وسيلة فعالة لمنع الجدري من الانتشار وتطويقه.

وفي عام 1796 اتخذ مسار المعركة ضد المرض طريقا مختلفا، عندما استخدم الطبيب الإنجليزي إدوارد جينر فيروس جدري البقر (cowpox) من أجل التحصين ضد الجدري. وقد تسبب هذا الفيروس في عدوى خفيفة بين البشر، إلا أنه حفّز استجابة مناعية وفّرت حماية خلطية (cross-protection) ضد الجدري.

وقد مهَّدَ اكتشاف جينر الطريق لبرامج التحصين اللاحقة نظرا لعدم وجود علاج فعال للجذري. وقد انتشرتْ هذه التقنية الجديدة سريعا في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة، وبعد فترة تم استبدال فيروس جدري البقر بفيروس مشابه له يعرف باسم "وقس"، وأدى النجاح في استخدام لقاح الجدري إلى انخفاض تدريجي في حالاته.

وكانت آخر حالة للجدري في الولايات المتحدة عام 1949. وبعد حملات التطعيم المكثفة في الستينيات والسبعينيات، حدثت آخر حالة للجدري في العالم عام 1977، وكانت في الصومال. وفي عام 1980 أعلنت منظمة الصحة العالمية أن العالم أصبح خاليا تماما من الجدري. وبهذا يكون الجدري أوّل مرضٍ ينتصر عليه البشر.
_______________
* بتصرف عن مقال "ميكروبات صَنَعتْ لها مكانا في التاريخ.. الجدري" للكاتب عبد الرؤوف علي المناعمة*.

متفرقات

المصدر : منظمة المجتمع العلمي العربي